الشاعر الجواهري… نهر العراق الثالث


حسين الراوي

وُلد الشاعر محمد مهدي الجواهري في مدينة النجف في 26 يوليو 1899، وتوفي في دمشق في 27 يوليو 1997، بعد مسيرة طويلة امتدت لعقود من الشعر والمواقف السياسية والثقافية.

نشأ الجواهري في بيئة دينية وعلمية عريقة، تنتمي إلى واحدة من أبرز العائلات العلمية في النجف ذات الحضور الفقهي المعروف. وكانت جدته لأمه، صيتة، من أسرة آل كاشف الغطاء المعروفة بمكانتها الدينية.
ويروى أن جده محمد الحسن ألّف كتاباً فقهياً بعنوان «جواهر الكلام في شرح شرائع الإسلام»، وهو العمل الذي ارتبط اسمه لاحقاً بلقب «الجواهري».

كما أشار الجواهري في أحد لقاءاته إلى أن القانوني المصري عبد الرزاق السنهوري، حين جاء إلى العراق لصياغة بعض قوانين الأحوال الشخصية، اعتمد كثيراً على هذا المرجع الفقهي.

ورغم هذا المناخ الديني، ظل الشعر هو الهاجس الأول في حياته، إذ عاش صراعاً داخلياً بين البيئة العلمية التي نشأ فيها ورغبته العميقة في الأدب، خصوصاً مع وجود ميل شعري لدى والده نفسه. وكان يدرس مبادئ الفقه إرضاءً له، قبل أن يتجه تدريجياً نحو الشعر.

ومع مرور الوقت، تخلى عن العمامة في النجف، واتجه إلى ارتداء الكوفية والعقال، ثم انتقل إلى بغداد، حيث بدأ مرحلة جديدة ارتدى فيها الزي الغربي ودخل عالم الوظيفة والصحافة.

وقد شارك الجواهري في ثورة العشرين عام 1920 ضد السلطات البريطانية وهو ما زال يرتدي العمامة، مما يعكس ارتباطه المبكر بالقضايا الوطنية.
لُقب الجواهري لاحقاً بـ«شاعر العرب الأكبر» و«نهر العراق الثالث»، ويُعد أحد أبرز أعمدة الكلاسيكية الجديدة في الشعر العربي إلى جانب معروف الرصافي وجميل صدقي الزهاوي. تميز شعره بالتزام عمود الشعر التقليدي، وبالجزالة والقوة، وبتناول قضايا الوطن والحرية والعدالة الاجتماعية.
من أبرز قصائده:
 «أخي جعفر» (1948): نظمها بعد مقتل شقيقه جعفر خلال انتفاضة الوثبة ضد معاهدة بورتسموث مع بريطانيا، وتُعد من أشهر قصائد الرثاء السياسي في الأدب العربي الحديث.
 «يا دجلة الخير»: نظمها في منفاه، وتعبر عن حنينه العميق إلى بغداد ونهر دجلة.
 «تنويمة الجياع»: قصيدة ساخرة لاذعة تكرر فعل «نامي» عشرات المرات، تنتقد غفلة الشعب وبلادة الاستجابة للظلم.
 «أرح ركابك»: التي ألقاها في حفل تكريمه بعد عودته إلى العراق.
 «يا أم عوف» (1955): نظمها أثناء إقامته في ريف علي الغربي بمحافظة ميسان (العمارة). استضافته امرأة ريفية راعية غنم تُكنى أم عوف (واسمها الحقيقي زنوبة حواس زبون) بكرم بالغ، فاستوحى من الموقف والطبيعة والكرم الريفي قصيدة طويلة بلغت نحو 109 أبيات، يبث فيها شكواه من تقلبات الحياة وتجاربه المريرة، ويصف فيها ضيافة المرأة البسيطة التي وجد فيها ملاذاً إنسانياً بعيداً عن صخب السياسة والمدن. ومن مطلعها:

يا أم عوفٍ عجيباتٌ ليالينا
يُدنين أهواءنا القصوى ويُقصينا
في كل يومٍ بلا وعيٍ ولا سببٍ
يُنزلن ناساً على حكمٍ ويُعلينا

عمل الجواهري في التشريفات الملكية في قصر الملك فيصل الأول بن الحسين (ولد في 20 مايو 1885، وتوفي في 8 سبتمبر 1933)، حيث اختاره للعمل إلى جانبه في قصره مع اثنين آخرين. وكان الملك فيصل يُظهر له محبة خاصة، ويناديه قائلاً: «ابني محمد».
وفي إحدى اللحظات المفصلية، قال له الملك فيصل: «يا ابني محمد، عملك عندي هو جسر تعبر عليه لما تريد».
لكن الجواهري لم يتمسك بهذه النصيحة، وقرر لاحقاً مغادرة البلاط الملكي والتوجه إلى الصحافة، وهو القرار الذي اعتبره لاحقاً من أكبر أخطائه، قائلاً: «من إساءات تصرفي في الحياة، وكبريات غلطاتي وهفواتي، إصراري على أن أكون صحفياً والخروج من ذلك العالم المتفتح الذي أراده لي الملك فيصل».
دخل الجواهري عالم الصحافة وأصدر عدداً من الصحف، وكتب مقالات ذات طابع نقدي حاد، ما وضعه في قلب الصراعات السياسية في العراق عبر مراحل متعددة من الحكم، من العهد الملكي حتى عهد عبد الكريم قاسم.
وقد أصدر صحف «الفرات» (1930، وأُلغيت سريعاً)، و«الانقلاب»، و«الرأي العام». كما انتُخب عدة مرات رئيساً لاتحاد الأدباء العراقيين، ونقيباً للصحفيين. وفي نهاية عام 1947 انتُخب نائباً في مجلس النواب عن محافظة كربلاء، لكنه استقال في يناير 1948 احتجاجاً على معاهدة بورتسموث مع بريطانيا.
وقد أدى ذلك إلى تراكم الخصومات ضده، وخسارته عدداً من المناصب، ودخوله في صدام مباشر مع السلطة.
وفي إحدى شهاداته عن خلافه مع عبد الكريم قاسم قال: «وصلت الأمور إلى المجابهة، فشتمني فشتمته… وانهالت علي الصحف وأجهزة الأمن».
وفي ذروة التوتر السياسي بين الجواهري والسلطة العراقية مطلع الستينيات، وتحديداً في أواخر شهر مارس عام 1961، صدر أمر بتوقيفه على خلفية مواقف ومقالات اعتُبرت نقدية تجاه الحكومة آنذاك.
وقد اقتيد إلى جهة أمنية في بغداد، حيث جرى احتجازه لساعات ضمن إجراءات مرتبطة بقانون المطبوعات والظروف السياسية في تلك المرحلة.
وبحسب ما وثقته مصادر صحفية وتاريخية عراقية متعددة، فقد تقرر الإفراج عنه في اليوم نفسه بعد ساعات من التوقيف، على أن يُطلق سراحه بكفالة مقدارها 50 فلساً عراقياً.
وقد نُشر هذا الخبر في عدد من الصحف العراقية آنذاك، وأشارت إليه مصادر ودراسات توثيقية لاحقة، من بينها: كتابات ومقالات للباحث إبراهيم العلاف، ومواد منشورة في صحف عراقية تاريخية مثل جريدة «الرأي العام» وجريدة «الثورة»، ودراسات في تاريخ الصحافة العراقية في الستينيات، وغيرها.
ومن أبرز محطات حياة الشاعر الجواهري ما وقع عام 1961، حين تلقى دعوة من السفارة الألمانية في بغداد للقاء ثقافي، فاشترط أن يكون اللقاء في اتحاد الأدباء وبحضور أصدقائه، خشية الرقابة الأمنية.
وخلال اللقاء، عُرضت عليه دعوة من اتحاد الأدباء الألمان لزيارة ألمانيا، لكنه اعتذر في البداية بسبب الظروف السياسية.
لاحقاً، تكرر اللقاء، وأُبلِغ بشكل غير مباشر بوجود معلومات عن احتمال تصفيته جسدياً، وأن عليه الاختيار بين السفر أو البقاء. فطلب مهلة قصيرة، ثم غادر العراق إلى ألمانيا، حيث استُقبل استقبالاً أدبياً حافلاً.
غير أن المنفى الرئيسي الذي استقر فيه لسنوات كان في براغ (عاصمة تشيكوسلوفاكيا سابقاً)، حيث طلب اللجوء السياسي رسمياً عام 1961، وذكر في طلبه تعرضه للمضايقات والاعتقال وخطر المحاكم العسكرية. عاش هناك نحو سبع سنوات باحترام أدبي كبير، ونظم خلالها عدداً من قصائده المهمة، منها «يا دجلة الخير» و«بريد الغربة».
عاش الجواهري سنوات في ألمانيا، وذكر أنه كان يحظى باحترام كبير من الأوساط الثقافية هناك، حتى إن العلم العراقي كان يُوضع على الطاولات التي يجلس عليها.
وبعد الانقلاب السياسي عام 1963، طُلب منه العودة إلى العراق عبر رسالة رسمية، لكنه رفض قائلاً: «لن أعود حتى يطلبني الشعب».
لاحقاً عاد إلى العراق بعد تغيّر الظروف السياسية عام 1968 بدعوة رسمية بعد انقلاب حزب البعث، وأُقيم له حفل تكريم كبير، ألقى فيه قصيدته الشهيرة «أرح ركابك».
أقام الجواهري بعد ذلك في العراق نحو اثنتي عشرة سنة، ثم غادره نهائياً عام 1980 بعد تولي صدام حسين السلطة، رافضاً العروض المتكررة للعودة.
استقر الجواهري بعد ذلك في دمشق بدعوة من الرئيس السوري حافظ الأسد عام 1982 - 1983، حيث خُصصت له دار وسيارة، ومُنح أعلى الأوسمة السورية.
سُحبت الجنسية العراقية من الشاعر محمد مهدي الجواهري أكثر من مرة خلال مسيرته. أبرز هذه الحالات وقعت في عام 1994–1995، حين أصدر نظام صدام حسين قرارًا بسحب الجنسية منه ومن الشاعر عبد الوهاب البياتي والكاتب سعد البزاز، بسبب مشاركة الجواهري في مهرجان الجنادرية الثقافي في المملكة العربية السعودية. وقد أدان الجواهري هذا القرار في حديث لمجلة «المصور» المصرية، ووصفه بأنه «عجيب وجدير بالازدراء»، مضيفًا أنه صادر عن «نظام غير شرعي». وثّقت جريدة «السفير» اللبنانية هذه الإدانة في عددها الصادر بتاريخ 13 أبريل 1995. كما روى الإعلامي محمد رضا نصر الله في مقال له بصحيفة «صُبرة» الإلكترونية كيف صدر القرار أثناء وجود الجواهري في الرياض بدعوة للمهرجان.
وفي سياق أسبق، أسقطت السلطات العراقية الجنسية عنه بعد انقلاب 8 فبراير 1963 بسبب موقفه المعارض، وذلك بموجب كتاب رسمي من وزارة الداخلية (رقم ق.س/12660 بتاريخ 26 أكتوبر 1963)، ثم أُعيدت إليه بعد انقلاب 17 يوليو 1968. وقد وثّقت جريدة «الزوراء» العراقية تفاصيل هذا القرار الرسمي وأسماء المشمولين.
توفي الجواهري في دمشق في 27 يوليو 1997 (بعد يوم واحد من عيد ميلاده الثامن والتسعين)، ودُفن فيها. وقد أوصى الجواهري (حسب بعض الروايات) بأن توضع خريطة العراق فوق قبره، أو كُتب على شاهد قبره ما يشير إلى بعده عن «دجلة الخير».
وعندما سُئل الجواهري عن علاقته بالحكام، قال: «أنا لم أمدح أحداً، أنا أقدّر من يقدّرني».
وعن النقد الذي وُجه إليه، قال: «لا يمكن أن يبلغ الشاعر ما بلغته دون حاسد أو حاقد أو متربص… هذه طبيعة المجتمعات».
ومن الطرائف التي ذكرها الجواهري أنه أثناء علاجه في روسيا، نصحه الطبيب بتغطية رأسه بسبب حساسية من البرد، فاشترى طاقية من السوق، كانت محبوكة في أذربيجان، ومنذ ذلك الوقت أصبحت جزءاً من مظهره المعروف الذي لازم حياته لاحقاً.
وقد تزوج الجواهري مرتين: الأولى من «مناهل» التي توفيت شابة عام 1939 وأنجبت له فرات وفلاح وأميرة، والثانية من أختها «أمونة» وأنجبت له نجاح وكفاح وخيال وظلال. وابنته خيال الجواهري معروفة وقد تحدثت كثيراً عن والدها ومسيرته.
للجواهري موقف مع نزار قباني، حيث يروي المحامي والسياسي نصير الجادرجي في برنامج «شهادات خاصة» أنه رافق عبد اللطيف الشواف والشاعر الكبير محمد مهدي الجواهري إلى نادي المنصور. وكان في استقبالهما سكرتير النادي آنذاك، الشاعر والدبلوماسي كاظم الخلف. جلس الجميع وفق موعد مسبق لوضع اللمسات الأخيرة على الأمسية الشعرية المرتقبة التي سيحييها الجواهري.
وخلال حديث متشعب بين الحاضرين، سأل كاظم الخلف الجواهري عن رأيه في الشاعر نزار قباني، فأجاب الجواهري بأنه شاعر عظيم. عندها أخبره الخلف بأن النادي استضاف قبل أيام قليلة أمسية لنزار قباني، وقد سُئل خلالها عن الشعراء الذين تأثر بهم، سواء من القدماء أو المعاصرين، فذكر أسماء عدة، لكنه لم يذكر الجواهري بينهم.
وهنا قاطع الجواهري الحديث قائلاً: «هذا منو؟»، فأجابه الخلف: «هذا نزار قباني». فردّ الجواهري متسائلاً: «شو يشتغل هذا؟!» فقال له: «الأستاذ نزار قباني». ليختم الجواهري بقوله: «أنا ما سامع به!».
ويكشف هذا الموقف مدى حساسية الجواهري العالية واعتداده الكبير بمكانته الشعرية.
وفي أحد اللقاءات التلفزيونية، سأل مقدم البرنامج الشاعر الجواهري قائلًا: هل أنت أم المتنبي أشعر؟ فأجاب الجواهري: إن لم أكن أنا والمتنبي متكافئين، فأنا أشعر منه.
بين النجف وبغداد، وبين القصر الملكي والمنفى، وبين الصحافة والقصيدة، رسم الجواهري مساراً استثنائياً لشاعر لم يكن مجرد صوت أدبي، بل كان شاهداً على تحولات سياسية عميقة، وفاعلاً فيها في الوقت ذاته.
وفي كل مراحله، ظل الجواهري يقف عند الحد الفاصل بين الكلمة والسلطة، بين الرفض والانخراط، وبين الندم والاختيار الذي لا رجعة فيه.
إن ندمه على ترك نصيحة الملك فيصل لم يكن مجرد خطأ شخصي عابر، بل كان جزءاً أصيلاً من مسار حياته كله، إذ اختار دائماً حرية الكلمة والموقف على حساب الاستقرار والمناصب والسلامة الشخصية، تاركاً خلفه إرثاً شعرياً وإنسانياً خالداً يتجاوز حدود الزمان والمكان.

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z