إدريس بن علي السعيدي
ارتبطت سلطنة عُمان بالدولة ومؤسساتها منذ عصور قديمة، وتطورت صورتها مع تطور المجتمع والحاجة إلى تنظيم شؤون الحكم وإدارة البلاد. ومع قيام الدولة العُمانية الحديثة، انتقلت سلطنة عُمان إلى مرحلة جديدة من بناء الدولة ومُؤسساتها، وأصبح بناء دولة المؤسسات والقانون أحد أهم الأسس التي قامت عليها النهضة العُمانية، وهذا البناء لم يكن منفصلاً عن تاريخ عُمان، وإنما جاء امتداداً لتجربة وطنية تطورت مع الزمن، حتى أصبحت المؤسسات اليوم جزءاً أساسياً من مسيرة الدولة وتنميتها.
ومع انطلاق النهضة المباركة عام 1970م، بدأ السلطان الراحل قابوس بن سعيد -طيب الله ثراه- مرحلة جديدة في تاريخ عُمان، كان من أهم أهدافها توحيد أبناء الوطن وبناء دولة حديثة قادرة على إدارة شؤونها وتحقيق التنمية. وقد أكد السلطان قابوس في خطابه الأول أنَّ الحكومة والشعب كالجسد الواحد، وهي عبارة تعكس أهمية العلاقة بين الدولة والمواطن في بناء الوطن، ومن هنا بدأت عملية إنشاء وتطوير مؤسسات الدولة في مختلف المجالات، من التعليم والصحة إلى الأمن والقضاء والاقتصاد والخدمات، حتى أصبحت هذه المؤسسات أساساً للعمل الحكومي والتنمية في سلطنة عُمان.
ولم يكن بناء المؤسسات مجرد إنشاء أجهزة حكومية، بل كان انتقالاً إلى مرحلة تقوم على تنظيم العمل وتحديد المسؤوليات ووضع القوانين التي تنظم العلاقة بين الدولة والمجتمع، ومع مرور السنوات، تطورت هذه المؤسسات واتسعت مسؤولياتها مع تطور احتياجات المواطن والدولة، حتى صدر النظام الأساسي للدولة عام 1996م، ليُشكل مرحلة مهمة في تنظيم نظام الحكم واختصاصات مؤسسات الدولة، وتحديد الحقوق والواجبات العامة، وتنظيم عمل مجلس الوزراء والقضاء ومجلس عُمان وغيرها من المؤسسات.
وتقوم دولة المؤسسات على مبدأ أساسي وهو أنَّ القانون هو الإطار الذي ينظم عمل الدولة والمجتمع، وأنَّ لكل مؤسسة اختصاصاتها ومسؤولياتها التي تعمل من خلالها لخدمة الوطن والمواطن. ولذلك أصبح وجود المؤسسات القوية والمنظمة ضرورة لتحقيق الاستقرار، وحماية الحقوق، وتقديم الخدمات، وتنفيذ الخطط التنموية بصورة أكثر كفاءة.
ومع تولي حضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم -حفظه الله ورعاه- مقاليد الحكم عام 2020م، دخلت الدولة مرحلة جديدة من التطوير والإصلاح، مع المحافظة على ما تحقق خلال النهضة المباركة. وقد أكد جلالته أن السلطان قابوس بنى دولة عصرية شهد لها القاصي قبل الداني، وهو ما يوضح أنَّ النهضة المتجددة تقوم على البناء على ما تحقق وليس البدء من جديد.
وفي هذا الإطار، جاءت إعادة هيكلة الجهاز الإداري للدولة وتحديث منظومة التشريعات والقوانين وتعزيز الحوكمة والمساءلة، بما يتناسب مع متطلبات المرحلة الجديدة. كما اهتمت سلطنة عُمان بتطوير أداء المؤسسات الحكومية ورفع كفاءتها، وربط عملها بمستهدفات رؤية عُمان 2040، التي تهدف إلى بناء اقتصاد متنوع ومستدام، ومجتمع متعلم ومبتكر، وحوكمة مؤسسية أكثر كفاءة.
ومن الجوانب المهمة في المرحلة الحالية أيضاً تعزيز اللامركزية، من خلال تطوير نظام المحافظات والمجالس البلدية، بما يُتيح للمجتمع المحلي دوراً أكبر في تحديد احتياجاته والمساهمة في التنمية. فالتنمية لا يمكن أن تعتمد على المركز وحده، وإنما تحتاج إلى مؤسسات قريبة من المواطن تعرف احتياجات كل محافظة وولاية، وتعمل على تحويل هذه الاحتياجات إلى مشاريع وخدمات.
أصبح اليوم جلياً للعيان، وشاهدا واضحاً أن سلاطين عمان يضعون دولة المؤسسات نصب أعينهم، وأن نهجهم السامي يقوم على هذه الثوابت، وأن السياسة العمانية في الداخل والخارج تولي هذا الأمر ما يستحقه من عناية ورعاية، فلا مجال للتجاوز، ولا سماح للتطاول، ولا مناص من النظام والعمل القائم على الأسس والثوابت.
اللهم احفظ بلادنا عزيزة أبية شامخة منيعة، واحفظ سلطانها مُعظمًا مُمجّدًا، واحفظ أهلها كرامًا مقدرين، أُباة شامخين.
