عبري.. ولاية عريقة تتطلع إلى تنمية تليق بمكانتها

 

 

خالد بن محمد بن حارب الجابري

لقد أولت حكومتنا الرشيدة، بقيادة حضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم – حفظه الله ورعاه – اهتمامًا كبيرًا بالتنمية الشاملة والمتوازنة في مختلف محافظات سلطنة عُمان، ومن الخطوات المهمة في هذا المسار تعزيز دور المحافظات ومنحها مخصصات تنموية تمكنها من تحديد أولوياتها وتنفيذ المشاريع التي تلامس احتياجات المواطنين وتواكب تطلعاتهم.

وهي خطوة نقدرها ونثمنها، لما تمثله من توجه حكيم نحو تمكين المحافظات وتسريع عجلة التنمية فيها، إلا أن هناك ولايات بحجم واتساع واحتياجات ولاية عبري يصعب أن تكفيها المخصصات الاعتيادية وحدها، خاصة مع تراكم احتياجاتها واتساع رقعتها ونموها السكاني والاقتصادي، الأمر الذي يجعلها بحاجة إلى رؤية تنموية أشمل ومشاريع استراتيجية تتناسب مع مكانتها.

وعبري ليست مجرد مركز لمحافظة الظاهرة، بل ولاية عريقة ضاربة بجذورها في التاريخ، وكانت منذ القدم معبرًا للقوافل ومحطة للتجار والمسافرين، ومقصدًا لمن يبحث عن التجارة والزراعة والعمل والاستقرار.

وعلى مر السنين قصدها الكثير من أبناء عُمان للعمل في الوظائف المدنية والعسكرية وفي مختلف الأنشطة الاقتصادية، ومن جاء إليها وجد في طيبة أهلها وكرمهم وأصالتهم ما جعله يرتبط بها ويختارها مكانًا للعيش والاستقرار.

كما حبا الله هذه الأرض بخيرات وثروات طبيعية ومعدنية متنوعة، من النفط والغاز والنحاس والكروم والرخام وغيرها من المعادن والثروات، التي أسهمت ولا تزال تسهم في رفد الاقتصاد الوطني، وامتد خير هذه الأرض إلى مختلف أرجاء عُمان الغالية.

ومن هنا يبرز سؤال مشروع: هل ما وصلت إليه عبري اليوم من مستوى في التطوير الحضري يتناسب مع تاريخها وحجمها وموقعها وما تزخر به أرضها من خيرات وثروات؟

إننا حين نطرح هذا السؤال لا نطالب بتفضيل عبري على غيرها؛ فكل ولاية في عُمان عزيزة علينا وتستحق التنمية، وإنما نتطلع إلى تنمية متوازنة تعطي كل ولاية ما يتناسب مع حجمها واحتياجاتها ومكانتها.

ولعل أول ما يحتاج إلى معالجة هو المشهد الحضري في قلب عبري، وفي مقدمة ذلك الشارع الرئيسي الممتد من دوار الجامع إلى دوار المستشفى، فهذا الطريق لا يمثل مجرد شارع داخلي، وإنما يعد واجهة لولاية عبري خاصة ومحافظة الظاهرة عامة.

وتزداد أهمية هذا الطريق لكونه ضمن المسارات التي يسلكها القادمون عبر محافظة الظاهرة من دولة الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية والمتجهون إلى عدد من محافظات وولايات سلطنة عُمان، وبالتالي فإن ما يشاهده المسافر أثناء مروره بعبري يترك لديه انطباعًا عن الولاية والمحافظة بأكملها.

ومع هذه الأهمية، أصبح الطريق بحاجة إلى إعادة تأهيل ورصف وتنظيم شامل، بما يتناسب مع حجم الحركة المرورية ومكانته كواجهة رئيسية للمدينة، كما أن الحواجز الحديدية الممتدة على جانبي الجزيرة الوسطية لا تعكس المظهر الحضري الذي نطمح إليه؛ فهي أقرب في شكلها إلى الحواجز المستخدمة على الطرق المفتوحة لمنع دخول الحيوانات منها إلى شارع رئيسي في قلب مدينة ومركز محافظة.

ويضاف إلى ذلك ما تشهده الدوارات والتقاطعات الواقعة على هذا المسار من ازدحام مروري متزايد، الأمر الذي يستدعي دراسة مرورية وهندسية متكاملة تبحث إنشاء الجسور في المواقع التي تستدعي ذلك، وتحويل بعض الدوارات إلى تقاطعات بإشارات ضوئية، وإعادة تصميم مسارات الحركة بما يحقق الانسيابية والسلامة ويواكب النمو المستقبلي للولاية.

إن تطوير هذا الطريق لا ينبغي النظر إليه باعتباره مشروع رصف وتحسين لطريق داخلي فحسب، بل مشروع واجهة حضرية لمحافظة الظاهرة، يشمل إعادة تأهيل الطريق وتجميل الجزيرة الوسطية والتشجير والإنارة والأرصفة والميادين، ليعطي القادم إلى عبري صورة تليق بتاريخ الولاية ومكانتها.

ولا يمكن الحديث عن احتياجات ولاية عبري دون التوقف عند سوق عبري، الذي يعد من الأسواق القديمة والعريقة في سلطنة عُمان، وارتبط منذ زمن بعيد بالحركة التجارية والاجتماعية في الولاية ومحافظة الظاهرة. ويتميز السوق باستمرار حركة البيع والمناداة على المواشي والتمور والمنتجات الزراعية وغيرها من المنتجات طوال أيام الأسبوع، وليس في يوم أو يومين فقط كما هو الحال في العديد من الأسواق الأخرى، وهو ما أكسبه مكانة خاصة لدى المزارعين ومربي الثروة الحيوانية والتجار والمتسوقين.

لكن واقع السوق اليوم لا يتناسب مع تاريخه ولا مع حجم النشاط الذي يشهده؛ فالمكان المخصص للمناداة وعرض المنتجات والمواشي أصبح ضيقًا ولا يستوعب حجم الحركة، كما أن مواقف السيارات غير كافية، مما يسبب ازدحامًا ويحد من قدرة السوق على أداء دوره التجاري بالصورة التي تليق به.

أما السوق الشعبي القديم، فهو الآخر بحاجة ماسة إلى إعادة تأهيل وتطوير شامل، فقد مضت سنوات طويلة دون أن يحظى بالتطوير الذي يتناسب مع أهميته ومكانته، وأصبحت مرافقه ومظهره العام بحاجة إلى تدخل يعيد إليه حيويته ويحافظ في الوقت نفسه على هويته العُمانية وطابعه التراثي.

ونرى أن تطوير سوق عبري ينبغي ألا يكون مجرد تحسينات محدودة، وإنما مشروعًا اقتصاديًا وتراثيًا وسياحيًا متكاملًا، يضم ساحات مناسبة ومنظمة للمناداة على المواشي والمنتجات الزراعية والتمور، ومواقف واسعة للسيارات ومرافق وخدمات متكاملة، إلى جانب إعادة تأهيل السوق الشعبي والمحافظة على طابعه التراثي. فسوق يحمل كل هذا التاريخ ويواصل نشاطه التجاري حتى يومنا هذا، يستحق أن يكون أحد المعالم الاقتصادية والتراثية والسياحية البارزة في ولاية عبري ومحافظة الظاهرة.

ولا ينبغي أن يقتصر التطوير على الطرق والأسواق وحدها، فعبري بحاجة إلى منتزهات عامة كبيرة، ومساحات خضراء، وتشجير للشوارع والمداخل، وتجميل للميادين والواجهات، وتطوير للإنارة والأرصفة والممرات والمرافق والخدمات الأساسية.

فهذه ليست من الكماليات، بل أصبحت من أساسيات المدن الحديثة ومن أهم عناصر جودة الحياة. ومن حق أهالي عبري أن يجدوا متنفسات عامة ومرافق حضرية تليق بحجم الولاية، ومن حق الزائر كذلك أن يرى منذ دخوله مدينة تعكس تاريخها ومكانتها.

وعندما نرى ما تحقق من تطوير في مسقط وصحار ونزوى وصلالة وصور وغيرها من مدن وولايات عُمان، فإننا نفخر بذلك؛ لأن ما يتحقق في أي جزء من هذا الوطن هو مكسب لنا جميعًا. وفي الوقت نفسه، نتطلع إلى اليوم الذي يرى فيه أبناء عبري ولايتهم وقد حظيت بنقلة حضرية وتنموية مماثلة تليق بمكانتها.

وهنا نطرح مقترحًا نراه جديرًا بالدراسة، وهو إحياء فكرة وجود لجنة مختصة بتطوير المدن والولايات، على غرار التجربة السابقة التي كان لها دور في تطوير عدد من ولايات السلطنة.

فالمخصصات التنموية للمحافظات خطوة مهمة ومقدرة، لكنها قد لا تكون كافية لتنفيذ المشاريع الاستراتيجية الكبرى التي تحتاج إليها بعض الولايات، خاصة ولاية بحجم عبري وما لديها من احتياجات متراكمة.

ومن هنا نأمل النظر في إنشاء لجنة وطنية أو وزارية لتطوير المدن والولايات، تتولى زيارة الولايات ميدانيًا والوقوف على احتياجاتها الحقيقية، ودراسة واقع الطرق والأسواق والمرافق والمنتزهات والمشهد الحضري، وتحديد المشاريع  الاستراتيجية التي يصعب استيعابها ضمن الموازنات الاعتيادية للمحافظات.

ونأمل أن تكون ولاية عبري من الولايات التي تحظى بزيارة هذه اللجنة؛ لتقف على واقعها ميدانيًا، وتلتقي بالجهات المعنية، وتحدد أهم المشاريع التي تحتاج إليها، فالمشاهدة على أرض الواقع أبلغ من التقارير والوصف.

إن عبري لا تحتاج إلى مشروع منفرد هنا وآخر هناك بقدر ما تحتاج إلى رؤية تنموية متكاملة تعالج الطرق والحركة المرورية والأسواق والمنتزهات والتشجير والمرافق والخدمات والمشهد الحضري كمنظومة واحدة، وتضع تصورًا لما ينبغي أن تكون عليه المدينة خلال السنوات القادمة. لقد أعطت عبري عُمان الكثير، ولا تزال تعطي؛ من أرضها وثرواتها، ومن سواعد أبنائها، ومن موقعها ودورها الاقتصادي والزراعي والتجاري.

وأهل عبري لا يطلبون أن تكون ولايتهم أفضل من غيرها، ولا أن يكون تطويرها على حساب أي ولاية أخرى، وإنما يتطلعون إلى نصيب عادل من التنمية يتناسب مع تاريخ ولايتهم وحجمها واحتياجاتها وما تزخر به من إمكانات وثروات.

ونحن على ثقة بأن حكومتنا الرشيدة، بقيادة حضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم – حفظه الله ورعاه – تنظر إلى جميع محافظات وولايات عُمان بعين واحدة، وأن التنمية المتوازنة ستظل هدفًا أساسيًا في مسيرة عُمان المتجددة. وكلنا رجاء أن تصل رسالة أبناء عبري، وأن تحظى هذه الولاية العريقة بزيارة ميدانية ودراسة شاملة وحزمة من المشاريع الاستراتيجية التي تحقق لها نقلة
تنموية حقيقية وتضعها في المكان الذي تستحقه بين مدن عُمان. عبري لا تبحث عن امتياز استثنائي، بل عن تنمية توازي عطاءها، وتحفظ تاريخها، وتستثمر خيراتها، وتصنع مستقبلًا يليق بأبنائها وبمكانتها في عُمان.

 

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z