د. أحمد الحارثي **
لم يسبق لي أن تابعت- سماعًا وقراءةً ومشاهدةً- حدَثًا داخليًا استحوذ وفرض حضوره المتدفّق والكثيف في وسائط التواصل الاجتماعي، وعلى فعاليات ومبادرات فردية وجماعية تجاوزت الحدود الجغرافية واللغوية، بمفاهيمها الإنسانية والتلقائية المثيرة للانتباه بهذه الكاريزما، وهذا التدافع الصادق، مثلما عايشته، وربما آلاف غيري، من رسائل قوية لشخصية وطنية حرّكتها جرأتها وشجاعتها وثبات مواقفها وتحديد أهدافها، لإيصال صوتها وصورتها وراية بلادها واسمها إلى كل العالم.
نعم، ندرك جيدًا أن في عالمنا، قديمه وحديثه، أنْ ثَمّة حالات وأحداث وحكايات سطّرتها الذاكرة البشرية، وأفردت لها معاجم وأساطير لا تزال تحرّك فينا فضول الاكتشاف والمعرفة وأخذ الدروس وتوظيفها بقدر من القناعات والمحاذير والمتخيّل والواقعية، لتشكّل في دواخلنا مسارات وأفكار تسعفنا على نمذجتها وترجمتها، لتكون مدادًا تخطّه أقلامنا، ومتنقّلًا بين ثقافات العالم وأجياله اللاحقة، سواء في صورته الفعلية وما خلّفته من إرث حضاري وإنساني متفرّد، أو حتى من خلال توثيقه وإضافة خيالات المدوّنين والمبدعين عبر أدوات التلقّي الحديث في صناعة الصورة الثابتة أو المتحرّكة.

في الصورة النمطية لطبيعة المجتمعات، وتحديدًا في هذه البقعة شديدة القسوة في جغرافيتها ومتخيلاتها وذكورتها الطاغية في نسيجها ونرجسيتها وصرامتها المفرطة أحيانًا، ليس من السهولة أن تنفلت الاستثناءات، وتفرض نفسها كواقع وسط المستحيلات، أو كما يعتقده بعضنا، وليس من السهولة أيضًا، أن تحتل الاستثناءات، صدارة المشهد، بكل تفاصيله وتأثيراته وتأثراته وتأثيثاته، فمَن استطاع اختراق كل هذه الحواجز، وكل هذه القيود، وكل هذه الخطوط الحمراء والسوداء، ولنسمّها ما شئنا من ألوان ورمزيات، هو في الحقيقة، استطاع إزالة الألوان، أو أنه استطاع تفكيكها وإعادة تشكيلها بالصورة التي أرادها وآمن بها، وليس لغيره أن يحدد أو أن يضع لها معايير ومفاهيم، لكي تكون بهذه الحرية وهذا الانطلاق، وبقناعة وإيمان قَلّ أو زاد نظيره.
في حالة عُمانية بامتياز، وفي حالة عربية بحضورها، وفي حالة عالمية بعموميتها، تشابكت الطبيعة البشرية بالطبيعة الجغرافية، اتفقنا أو اختلفنا، فهذا شأن آخر، وليس محوريًا في جزئياته، ولكنه مهمٌّ جدًا في تفاعلاته وسطوة حضوره بكل تأكيد، وما حدث في "برود بيك" بباكستان بداية الشهر الحالي، وما كشفت عنه الطبيعة وقسوتها وغدرها، حين تناقلت الأخبار، فقدان عشرة من متسلّقيّ جبالها العالية والصعبة، بعد انهيار جليدي، في مشهد دراماتيكي، كان الخبر -ولا يزال- موجعًا وصادمًا في حق محبيهم وعائلاتهم، وإذا كانت العُمانية الشجاعة "نظيرة الحارثي"، إحدى أبطال هذه الفاجعة ونموذجها العربي الأبرز -حسب ظنّي- قد سجّلت في تاريخها الرياضي والإنساني، اسمًا لامعًا وبارزًا في قائمة الشخصيات التي سيخلّدها التاريخ، وتتناقلها الأجيال عبر مسيرة وطنية امتدت في جبال وأودية وقُرى ومدارس ومضامير وطنها وخارجه، فإننا أمام حالة نادرة واستثنائية، وجديرة بأن ننحني أمام منجزها، وبأن تضعها في المكان الذي يليق بفتاة تُدرك ماذا تُريد، وتُدرك بثقة ماذا يعني لها "تهيّب صعود الجبال" ونهاياته، وهي التي لم يُثنها أو يُرعبها جبروت المرتفعات ومخاطرها، ولم ترتجف في مسالكها الوعرة، مما تصادفه في طريق صعودها ونزولها، من أدوات وملابس وضحايا من سبقوها، بل كانت تُدرك أن تحقيق الأهداف ورسمها، لا بد له من ثمن .... ثمنٌ يتجاوز وزنه، عظمة الجبال الشاهقة وبياضها المخاتل.

ولنقض منطوقي، بأن لا أهمية للجزئيات، فإنني أبعثها مجددًا وتعمّدًا في نهاية النهايات، كحالة فرضتها معطيات أخلاقية ومونولوجات عميقة، مسنودة برابطة القُربى والقُرب المعرفي والإنساني والشخصي بـ"نظيرة"، وفي محطات مهنية ووجدانية لا يمكن فصلها عن مفاصل التواريخ، ببهائها وهبائها، ولا يمكنني أن أنسلخ من مواقف لا حصر لها، وهي تدق ذاكرتي بقوة في كل لِياذٍ لذاتي، أو أنها تستحضر تلك الجزئيات بنهاراتها ولياليها، خاصة نهارها الأخير في بيتي، و"نظيرة" تنوي اصطحاب اِبني "صالح" لشراء ما يحتاجه، حين أطلقت كلمة وداع لي: ("الشمي" هالمرة بطوّل عليكم)، مُتبِعة جملتها بتوضيح أكثر دقة، بعد سؤال عابر منّي، "إنِّها من بين الأصعب في مُغامراتي"!
جملة وموقف يجعلني أردد بداخلي، بأنَّ نظيرة لا تزال في حالة سفر وستعود، لكنها فعلًا تأخرت هذه المرة...تأخرت حد الألم.
** دبلوماسي سابق وأستاذ جامعي
