كليات العلوم الإنسانية: بين مطرقة جودة التعلم العالمية وسندان الذكاء السيبراني (2-3)

 

 

 

 

د. عبدالله بن سليمان المفرجي

في الاتجاه الآخر من العالم، يلوح لنا في الأفق سندان الذكاء السيبراني حاملًا معه وعدًا بتحولاتٍ نوعيةٍ وفريدة في طبيعة ومستقبل لتعليم، لكنه يحمل أيضًا تهديداتٍ وجوديةً لنزاهة العملية الأكاديمية؛ فهذا السندان الذي يطرق بتسارعٍ لتشكيل المعرفة في قوالب متسارعة جديدةٍ لم تعهدها الأجيال السابقة، إنه يضع كليات التربية والقانون والشريعة وعلم النفس وعلم الاجتماع أمام معادلةٍ صعبة ومُفارقةٍ عجيبة وصعبة للغاية: أنى يتسنى لهذه التقنيات أن تكون أداةً للتعزيز لا وسيلةً للالتفاف، ما هي الآلية المناسبة للمؤسسات التعليمية أن تُسخِّر إمكانات الذكاء الاصطناعي والميتافيرس في خدمة أهدافها التربوية، دون أن تفقد بوصلتها الأخلاقية أو تتنازل عن معايير الجودة التي بنت عليها سمعتها، ودون أن تقع تحت طائلة الملاحظة الأكاديمية التي تتربص بكل من يتلكأ عن مواكبة العصر ومسايرة التطورات المتسارعة؟

هذه الأسئلة ليست مجرد فضولٍ أكاديميٍّ بحت، بل هي جوهر التحدي الذي تواجهه المؤسسات التعليمية في عصر التحولات الرقمية النوعية، وهي جوهر ما يضع بعضها تحت مجهر التقويم السديد، وما يدفع أخرى إلى ريادة التغيير والتميز والانتقال إلى مسار الحوكمة الفعالة، فمن أمسك بزمام الذكاء السيبراني قاد دفة التغيير والتطوير، ومن ترك له زمامه انجر خلفه، فكان من التائهين الحائرين في فضاءاتٍ لا حدود لها.

إن الذكاء الاصطناعي التوليدي الذي أصبح في متناول كل طالبٍ يمتلك هاتفًا ذكيًا متصلًا بشبكة الإنترنت، يُشكّل اليوم تحديًا غير مسبوقٍ لنزاهة البحث العلمي والامتحانات التقويمية؛ فما كان بالأمس يحتاج إلى أسابيعَ من البحث والتحقيق في رفوف المكتبات، أصبح اليوم يُنجز في ثوانٍ معدودة بضغطةِ زرٍّ، وما كان يتطلب جهدًا فكريًا وعناءً ذهنيًا مريرا، أصبح مجرد طلبٍ من خوارزميةٍ تنتج نصوصًا متماسكةً؛ بل ومقنعة في كثيرٍ من الأحيان. وهذا الواقع الجديد يضع كليات العلوم الإنسانية أمام مفترق صعب ومسؤوليةٍ تاريخيةٍ: إما أن تستسلم لهذا المد المتلاطم، فتتحول إلى مجرد مؤسساتٍ تمنح شهاداتٍ وهمية لمن يتقن استخدام الذكاء الاصطناعي، وإما أن تتكيف معه بذكاءٍ وتفطن، فتحوله من عدوٍ إلى حليفٍ مساعد، ومن وسيلةٍ للالتفاف إلى أداةٍ للتمكين والإتقان، وكما أن السندان يصقل الحديد ويشكله، فإن هذه التقنيات يمكنها أن تصقل العقول وتشكلها إن أحسنت المؤسسات استخدامها، وإن أساءت كانت سببًا في انحرافها وانجرافها في مهاوي الردى، مما يجعلها عرضةً للملاحظة والتقويم والنقد. وهذا يضع كليات التربية أمام مسؤولية إعداد معلمين أفذاذ قادرين على توظيف الذكاء الاصطناعي في خدمة العملية التعليمية في مختلف المواقف التعليمية، وكليات القانون الفتية أمام مسؤولية إعداد محامين وقضاةٍ وأعضاء ادعاء عام وباحثين قانونية  ومحقين جنائيين قادرين على مواجهة الجرائم السيبرانية، وكليات الشريعة أمام مسؤولية عسيرة إعداد مجتهدين قادرين على استنباط الأحكام من أدلتها الشرعية المعتبرة في قضايا الذكاء الاصطناعي والميتافيرس وحوادث الأمن السبيراني المعقدة، وكليات علم النفس أمام مسؤولية شاقة في فهم تأثير التقنيات الرقمية على الصحة النفسية وتطوير تدخلاتٍ علاجيةٍ رقميةٍ مبتكرة، وكليات علم الاجتماع أمام مسؤولية وعرة تقوم على تحليل التحولات المجتمعية المتسارعة التي تفرضها العوالم الافتراضية على الهوية والعلاقات الاجتماعية والأنساق الثقافية المتباينة.

وهنا تبرُز تجارب فريدة لدولٍ سبقت غيرها في هذا المضمار، وتقدم دروسًا قيمةً نوعية لكل من يسعى إلى فهم كيف يمكن للمؤسسات التعليمية أن تخرج من عنق الزجاجة وتخرج من المأزق التاريخي العسير؛ فكوريا الجنوبية التي عرفت بطفرتها التقنية المذهلة المتسارعة، ذهبت إلى أبعد مدى في استكشاف إمكانات الميتافيرس في التعليم، فقد بنت كليات تربيةٍ وعلم نفسٍ وعلم اجتماعٍ في الميتافيرس تختبر المعلمين والأخصائيين النفسيين والباحثين الاجتماعيين في بيئاتٍ إلكترونية افتراضيةٍ، وتقيم أداءهم في إدارة الصفوف الرقمية والتدخلات العلاجية الافتراضية وتحليل الظواهر الاجتماعية في الفضاءات الرقمية الواسعة، وضمنت برامج تدريبهم بناء فصولٍ دراسيةٍ افتراضيةٍ وتنفيذ محاضراتٍ مصغرةٍ فيها، وكأنها أرادت أن تقول للعالم إن التعليم لم يعد محصورًا في أربعة جدران تقليدية، وإن الجودة لم تعد تقاس بما يحدث داخل الفصل الدراسي فقط، بل بما يحدث في الفضاءات الافتراضية التي يعيش فيها الطلاب جزءًا كبيرًا من حياتهم الحقيقية.

وفي هذا الإطار، يتحول الميتافيرس من مجرد فضاءٍ ترفيهيٍّ إلى فضاءٍ تربويٍّ غامرٍ، حيث يمكن للطلاب خوض تجاربَ تعليميةٍ تفاعليةٍ مبتكرة تتجاوز حدود الزمان والمكان؛ ففي كليات التربية يمكن للمعلمين الطلاب خوض تجاربَ تدريسيةٍ في فصولٍ دراسيةٍ افتراضيةٍ ممتعة، وإدارة صفوفٍ رقميةٍ حية، وتفاعلٍ مع طلابٍ افتراضيينَ من مختلف أنحاء العالم في بيئاتٍ آمنةٍ تسمح لهم بتجربة استراتيجيات التدريس المتنوعة دون الخوف من الفشل والتلكؤ. وفي كليات القانون يمكن للطلاب حضور محاكماتٍ صوريةٍ في بيئاتٍ افتراضيةٍ تحاكي الواقع بدقةٍ متناهيةٍ وحضور للأحداث والوقائع، والتفاعل مع شخصياتٍ افتراضيةٍ مدعومةٍ بالذكاء الاصطناعي، وخوض سيناريوهاتٍ قانونيةٍ معقدةٍ تحاكي قضايا العصر الرقمي. وفي كليات الشريعة يمكن للطلاب خوض تجاربَ اجتهاديةٍ فريدةٍ في الميتافيرس، حيث يمكنهم حضور مجالسَ فقهيةٍ فريدة افتراضيةٍ يناقشون فيها نوازل العصر الحديثة مع مجتهدين افتراضيينَ مدعومينَ بالذكاء الاصطناعي. وفي كليات علم النفس، يمكن للطلاب ممارسة المقابلات التشخيصية والتدخلات العلاجية في بيئاتٍ افتراضيةٍ آمنةٍ ومعطرة بالراحة والاطمئنان، والتفاعل مع مرضى افتراضيينَ يعانون من اضطراباتٍ نفسيةٍ متنوعةٍ، مما يمكنهم من تطوير مهاراتهم السريرية قبل مواجهة المرضى الحقيقيين. وفي كليات علم الاجتماع، يمكن للطلاب إجراء دراساتٍ ميدانيةٍ افتراضيةٍ، وتحليل تفاعلاتٍ اجتماعيةٍ متنوعة في فضاءاتٍ رقميةٍ مشوقة، وفهم التحولات المجتمعية التي تفرضها العوالم الافتراضية على الهوية والعلاقات الاجتماعية والأنساق الثقافية المختلفة.

غير أن هذا الانفتاح على فضاءات الميتافيرس والذكاء الاصطناعي يحمل في طياته مخاطرَ جسيمةً يفرض قيودا صارمة على صعيد الأمن السيبراني؛ فالمؤسسات التعليمية التي تنتقل إلى الفضاءات الرقمية تصبح عرضةً للاختراقات والهجمات السيبرانية و التصيد الاحتيالي التي تهدد سلامة بياناتها، ونزاهة امتحاناتها، ومصداقية أبحاثها العلمية، وكليات التربية التي تتعامل مع بياناتٍ شخصيةٍ للطلاب والمعلمين والكادر الإداري والفني في بيئات التعلم، وكليات القانون التي تتعامل مع معلوماتٍ حساسةٍ حول قضايا قانونية قد تكون سرية للغاية، وكليات الشريعة التي تتعامل مع فتاوى وأحكامٍ مفصلية أو قطعية قد تكون حساسةً، وكليات علم النفس التي تتعامل مع ملفاتٍ نفسيةٍ وبياناتٍ شخصيةٍ دقيقةٍ وقد تكون مستورة، وكليات علم الاجتماع التي تتعامل مع بياناتٍ عن المجتمعات والفئات الاجتماعية المختلفة المتنوعة، تكون جميعها في مرمى المخترقين الهاكرز، وهذا يتطلب استثمارًا كبيرًا في أنظمة الأمن السيبراني، وتدريبًا مستمرًا للكوادر الأكاديمية والإدارية على كيفية التعامل مع هذه التهديدات الأمنية، ووضع سياساتٍ واستراتيجيات واضحةٍ لحماية البيانات والحفاظ على الخصوصية الرقمية.

وهنا تبرز لنا تجربة ألمانيا الرائدة التي جعلت من التزوير العلمي جنايةً يعاقب عليها القانون، ووضعت أنظمةَ جودةٍ أكثرَ صرامةٍ وحدة في مواجهة تحديات الذكاء السيبراني، وكأنها أرادت أن تذكر العالم بأن عدالة العلم خطٌّ أحمرٌ لا يمكن تجاوزه وتخطيه والمساس باسوراه المنيعة. اما في الإمارات فقد تبنت استراتيجية وطنية مُحكَمة للذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني، وتوسع في تطبيقات الميتافيرس والواقع الافتراضي، وتطلق مبادرات للتعلم المخصص وتحليلات البيانات، وتطور أطرًا للحوكمة والنزاهة الأكاديمية، لبناء بيئة تعليمية رقمية متقدمة تدعم الابتكار وجودة التعليم واستدامته وتراقب تطوره وتقدمه.

إن التحدي الأكبر الذي تواجهه كليات التربية والقانون والشريعة وعلم النفس وعلم الاجتماع اليوم، هو كيفية الموازنة بين مطرقة جودة التعلم العالمية وسندان الذكاء السيبراني، وهذا يتطلب رؤيةً محكمة متكاملةً تراعي تحويل نظم الجودة من أدواتٍ رقابيةٍ صارمة إلى أطرٍ تمكينيةٍ، وتوظيف الذكاء الاصطناعي في خدمة الأهداف التربوية النبيلة، وبناء بيئاتٍ تعليميةٍ في الميتافيرس لتكون مسرح فضاءاتٍ للتعلم التفاعلي، وتطوير أنظمة الأمن السيبراني لحماية نزاهة البحث العلمي والامتحانات، وتصميم مناهجَ تركز على المهارات الإنسانية التي لا تستبدل، وإعداد الطلاب بالمهارات والخبرات الفاعلة للانخراط في سوق العمل بكفاءة واحترافية وبناء هوية مهنية رقمية قوية، وقيم مواطنة رقمية  فعّالة، في ظل التحولات الذكية المتسارعة، وسد الفجوة بين النظرية والتطبيق في كل هذه التخصصات الإنسانية، وتطوير أنظمة تقويمٍ حكيمةٍ فعّالة تتجاوز الاختبارات الورقية البدائية إلى تقويمٍ مستمرٍ حقيقيٍ يقيّس المهارات والكفايات المختلفة الفعلية قبل المعلومات.

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z