هل آن الأوان لمراجعة قانون التأمين في سلطنة عُمان؟

 

 

 

مرتضى بن محمد الجمالاني **

 

تُعد التشريعات الاقتصادية من أهم الأدوات التي تنظم الأسواق، وتحمي حقوق المتعاملين، وتعزز الاستقرار المالي، وتدعم النمو المستدام. إلا أن نجاح أي تشريع لا يقاس بتاريخ صدوره، وإنما بمدى قدرته على تحقيق أهدافه ومواكبة المتغيرات الاقتصادية والمالية والتكنولوجية.

وقد شهد قطاع التأمين في سلطنة عُمان خلال السنوات الماضية تعديلات تشريعية وتنظيمية مهمة، من أبرزها اشتراط ألا يقل رأس مال شركة التأمين الوطنية عن 10 ملايين ريال عُماني، وأن تكون شركة مساهمة عامة ومدرجة في بورصة مسقط، وذلك بهدف تعزيز الملاءة المالية، وتحسين الحوكمة، ورفع مستوى الإفصاح والشفافية، وحماية حقوق حملة الوثائق والمساهمين.

كما تضمنت المنظومة التنظيمية ضوابط تهدف إلى تعزيز المنافسة ومنع التركز الاقتصادي، من بينها تحديد سقف لحصة شركة التأمين من إجمالي أعمال السوق، بحيث لا تتجاوز 33% إلا إذا وجدت مبررات توافق عليها الجهة الرقابية، إضافة إلى تحديد الحد الأعلى لملكية الفرد أو المؤسسة في رأس مال شركة التأمين بنسبة 25%، بما يحقق تنوع الملكية ويعزز مبادئ الحوكمة والاستقرار المؤسسي.

وبعد مرور سنوات على تطبيق هذه التشريعات، يبرز عدد من التساؤلات التي تستحق الدراسة والتقييم:

هل حققت متطلبات رفع رأس المال أهدافها في تعزيز الملاءة المالية واستدامة شركات التأمين؟

هل أسهمت هذه التشريعات في رفع مساهمة قطاع التأمين في الناتج المحلي الإجمالي، وزيادة معدل انتشار التأمين في سلطنة عُمان؟

هل ارتفعت نسبة الاحتفاظ بالأخطار داخل السوق العُماني، أم ما زالت نسبة كبيرة من أقساط التأمين تُحوَّل إلى أسواق إعادة التأمين الخارجية؟

هل انعكس رفع رأس المال على تحسين النتائج الفنية والربحية وتعزيز قدرة الشركات على مواجهة الأزمات؟

هل أدى الإدراج في بورصة مسقط إلى تعزيز الحوكمة والإفصاح والشفافية، وزيادة ثقة المستثمرين؟

هل شجعت هذه المتطلبات على الاندماجات والاستحواذات وتكوين شركات وطنية أكبر وأكثر قدرة على المنافسة محلياً وإقليمياً؟

هل أسهمت هذه التشريعات في تطوير الكفاءات الوطنية والاستثمار في Career & Succession Planning لضمان استدامة القيادات الوطنية في القطاع؟

هل ما زال الحد الأقصى لحصة شركة التأمين من إجمالي أعمال السوق عند 33% يحقق التوازن المطلوب بين المنافسة والكفاءة، أم أن المرحلة الحالية تستدعي إعادة تقييمه وفق معايير اقتصادية وفنية واضحة؟

وهل ما زال الحد الأعلى لملكية الفرد أو المؤسسة بنسبة 25% يحقق أهداف الحوكمة ومنع التركز الاقتصادي، أم أن السوق يحتاج إلى قدر أكبر من المرونة لجذب مستثمرين استراتيجيين يمتلكون الخبرة ورؤوس الأموال والتقنيات الحديثة؟

هل ينبغي أن تعتمد التشريعات المستقبلية بصورة أكبر على مؤشرات مثل الملاءة المالية، وجودة الحوكمة، وإدارة المخاطر، وكفاءة الإدارة، بدلاً من الاعتماد على حدود رقمية ثابتة فقط؟

وهل أصبح الوقت مناسباً للانتقال إلى إطار رقابي قائم على المخاطر (Risk-Based Regulation)، يواكب أفضل الممارسات الدولية، ويمنح الشركات الكفؤة مساحة أكبر للنمو والابتكار؟

لقد أصبح قطاع التأمين اليوم يواجه تحديات وفرصاً جديدة لم تكن مطروحة عند إصدار كثير من التشريعات، ومن أبرزها التحول الرقمي، والذكاء الاصطناعي، والأمن السيبراني، والتغيرات المناخية، والتأمينات الصحية، والتأمين الزراعي، والتأمين ضد الكوارث الطبيعية، والمتطلبات المتزايدة لإدارة رأس المال والمخاطر وفق المعايير الدولية.

ومن هنا، فإن المراجعة الدورية للتشريعات ينبغي أن تكون ممارسة مؤسسية مستمرة، تستند إلى البيانات ومؤشرات الأداء ونتائج التطبيق العملي، وليس إلى عامل الزمن وحده.

ويبقى السؤال الأهم: هل يحتاج قطاع التأمين في سلطنة عُمان إلى تعديل جديد في قانون التأمين، أم أن الأولوية اليوم تكمن في تطوير آليات التطبيق، وتعزيز الحوكمة، وتحسين التسعير الفني، ورفع كفاءة إدارة المخاطر، وتنمية رأس المال البشري؟

والهدف من طرح هذه التساؤلات ليس الدعوة إلى تغيير التشريعات لمجرد التغيير، وإنما فتح باب الحوار المهني لإجراء تقييم موضوعي لمدى تحقيق قانون التأمين واللوائح التنظيمية للأهداف التي شُرعت من أجلها، في ضوء المتغيرات الاقتصادية والمالية والتكنولوجية التي يشهدها العالم؛ إذ أثبتت التجارب الدولية أن التشريعات الناجحة هي تلك التي تخضع للمراجعة الدورية، وتستند إلى مؤشرات الأداء والنتائج، وليس إلى عامل الزمن فقط. ومن هذا المنطلق، فإن أي مراجعة مستقبلية ينبغي أن توازن بين حماية حقوق حملة الوثائق، وتعزيز المنافسة، وجذب الاستثمار، ورفع كفاءة الحوكمة، وتقوية الملاءة المالية، وتنمية الكفاءات الوطنية، وتحفيز الابتكار.

ويبقى السؤال الذي يستحق أن يطرحه الجميع: هل حققت التشريعات الحالية جميع أهدافها؟ وإذا كانت الإجابة نعم، فما هي مؤشرات النجاح التي يمكن قياسها؟ وإذا كانت الإجابة لا، فما هي الجوانب التي تستحق المراجعة والتطوير؟

كما يبرز تساؤل آخر لا يقل أهمية: هل ما زالت المعايير الكمية وحدها، مثل الحد الأدنى لرأس المال، ونسب التركز في السوق، وحدود الملكية، كافية لتحقيق أهداف المرحلة المقبلة، أم أن المستقبل يتطلب تشريعات أكثر مرونة ترتكز على جودة الحوكمة، والملاءة المالية، وإدارة المخاطر، والابتكار، ورأس المال البشري؟

والإجابة عن هذه الأسئلة لا تقع على عاتق جهة واحدة، بل هي مسؤولية مشتركة بين الجهة الرقابية، وشركات التأمين وإعادة التأمين، والوسطاء، والمستثمرين، والأكاديميين، والقطاع الخاص، بما يضمن بناء قطاع تأمين أكثر كفاءة وتنافسية واستدامة، وقادراً على الإسهام بفاعلية في تحقيق رؤية "عُمان 2040".

إنَّ مراجعة التشريعات ليست اعترافاً بوجود خلل، وإنما دليل على نضج المؤسسات، وحرصها على التطوير المستمر، ومواكبة أفضل الممارسات العالمية، وتعزيز الثقة في الاقتصاد الوطني؛ فالقوانين الناجحة ليست تلك التي تبقى ثابتة، وإنما تلك التي تتطور مع تطور الاقتصاد والأسواق، وتستجيب للمتغيرات، وتوازن بين حماية حقوق حملة الوثائق، وتعزيز المنافسة، وجذب الاستثمار، وتشجيع الابتكار، وتحقيق الاستدامة المالية، بما يخدم الاقتصاد الوطني والأجيال القادمة.

** خبير التأمين وباحث اقتصادي متخصص

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z