صنعاء - الوكالات
تتزايد المخاوف من عودة اليمن إلى دائرة التصعيد العسكري الواسع، مع اتساع نطاق المواجهات بين القوات الحكومية وجماعة أنصار الله الحوثيين، بالتزامن مع تصعيد الجماعة هجماتها على السعودية وسفن تجارية في البحر الأحمر، وهو ما دفع مجلس الأمن الدولي إلى التحذير من تداعيات قد تتجاوز الساحة اليمنية وتهدد الأمن والاستقرار الإقليميين.
ويأتي التصعيد الأخير بعد فترة من التهدئة النسبية التي خففت بدرجة كبيرة من حدة العمليات العسكرية واسعة النطاق منذ الهدنة التي دخلت حيز التنفيذ عام 2022، رغم استمرار الاشتباكات المتفرقة والاحتقان السياسي والعسكري بين الأطراف اليمنية.
الجيش اليمني يرد على هجمات الحوثيين
أعلن الجيش اليمني، صباح السبت، تنفيذ عملية عسكرية استهدفت مواقع وقدرات تابعة للحوثيين في عدد من المحاور على امتداد خطوط التماس.
وقال المتحدث الرسمي باسم القوات المسلحة اليمنية، العقيد ماجد النزيلي، إن العملية جاءت في إطار ما وصفه بـ"الحق المشروع" للقوات المسلحة في الدفاع عن قواتها وحماية المدنيين، عقب هجمات قال إن الحوثيين نفذوها في محافظتي مأرب وحضرموت.
وأكد أن القوات الحكومية تعتبر استهداف أي جبهة أو محور اعتداءً على جميع جبهاتها، مشدداً على أن الجيش سيرد على أي هجمات جديدة بإجراءات عسكرية وصفها بالحازمة، وفق توجيهات القيادة السياسية والعسكرية.
ويشير هذا الموقف إلى انتقال المواجهة إلى مرحلة قد تصبح أكثر اتساعاً، خصوصاً مع تزامن العمليات البرية مع تصعيد الحوثيين لهجماتهم بالصواريخ والطائرات المسيّرة داخل اليمن وعبر الحدود.
مأرب في قلب التصعيد
وتبرز محافظة مأرب باعتبارها إحدى أهم بؤر التوتر في التصعيد الحالي، نظراً إلى موقعها الاستراتيجي وثرواتها النفطية والغازية، إضافة إلى كونها من أبرز معاقل الحكومة اليمنية والقوات المتحالفة معها.
وكانت السلطات المحلية قد أعلنت أن الحوثيين أطلقوا، الجمعة، صواريخ باليستية وطائرات مسيّرة باتجاه مخيمات للنازحين وأحياء سكنية في مدينة مأرب، مما أسفر عن مقتل شخصين وإصابة 14 آخرين.
في المقابل، قال الحوثيون إن هجماتهم استهدفت قوات مدعومة من السعودية ومنشآت ومعدات عسكرية في معسكر صحن الجن.
وجاء ذلك بعد هجمات دامية استهدفت مواقع للقوات الحكومية في مأرب وحضرموت، وأسفرت، وفق مصادر حكومية، عن مقتل عشرات الجنود، في واحدة من أعنف موجات التصعيد التي تشهدها البلاد منذ سنوات.
ووصفت تقارير حديثة التطورات العسكرية الأخيرة بأنها أخطر تصعيد تشهده الجبهات اليمنية منذ تراجع حدة الحرب المفتوحة عقب هدنة 2022.
مجلس الأمن يحذر من اتساع دائرة الحرب
وفي ظل هذا التصعيد، أعرب أعضاء مجلس الأمن الدولي عن قلقهم البالغ إزاء تدهور الوضع في اليمن، محذرين من أن استمرار الأعمال العسكرية قد يقوض الجهود الرامية إلى التوصل إلى تسوية سياسية.
وأدان المجلس الهجمات الصاروخية التي شنها الحوثيون على السعودية منذ 13 يوليو/تموز، إلى جانب الهجمات التي استهدفت سفناً تجارية منذ 22 يوليو/تموز.
كما أدان هبوط طائرات في مطاري صنعاء والحديدة من دون الحصول على التصاريح والموافقات المطلوبة من الحكومة اليمنية، معتبراً ذلك انتهاكاً لقواعد الطيران المدني الدولي وسيادة اليمن.
وأكد أعضاء المجلس مجدداً التزامهم بسيادة اليمن واستقلاله ووحدته وسلامة أراضيه، داعين جميع الأطراف إلى تجنب الخطوات التي يمكن أن تؤدي إلى دورة جديدة من العنف.
وكانت الأمم المتحدة قد حذرت في يوليو/تموز من مخاطر انزلاق اليمن مجدداً إلى حرب شاملة، بعدما أدى تصعيد مرتبط بحركة الطيران بين إيران واليمن واستهداف مطار صنعاء إلى إعلان الحوثيين انتهاء مرحلة خفض التصعيد مع السعودية.
التصعيد يتجاوز الحدود اليمنية
ولا يقتصر القلق الدولي على المواجهات داخل اليمن، إذ شهدت الأسابيع الأخيرة امتداداً واضحاً للتوتر إلى المجالين الجوي والبحري.
فقد استأنف الحوثيون إطلاق الصواريخ والطائرات المسيّرة باتجاه أهداف في السعودية، بالتزامن مع تهديدات وهجمات على سفن تجارية في البحر الأحمر.
وتشير هذه التطورات إلى أن أي عودة للحرب الواسعة في اليمن قد لا تبقى محصورة داخل الحدود، خصوصاً أن البحر الأحمر يمثل أحد أهم الممرات البحرية الدولية لنقل الطاقة والبضائع بين آسيا وأوروبا.
وحذرت جهات دولية من أن استمرار استهداف السفن يمكن أن يؤدي إلى ارتفاع مخاطر الملاحة والتأمين والشحن، فضلاً عن احتمال إعادة تشكيل طرق التجارة العالمية إذا اضطرت شركات النقل إلى تجنب مناطق الخطر.
كما أصدرت بريطانيا تحذيراً من تجدد تهديد الحوثيين للبنية الأساسية السعودية، بما في ذلك المطارات والمنشآت الحيوية، إلى جانب السفن في البحر الأحمر، مشيرة إلى مخاطر استمرار الهجمات والتصعيد.
من التهدئة إلى المواجهة المفتوحة؟
ويثير التصعيد الحالي سؤالاً رئيسياً بشأن مستقبل التهدئة التي بدأت منذ عام 2022، وما إذا كانت التطورات الأخيرة تمثل جولة محدودة من المواجهات أم بداية عودة تدريجية إلى الحرب المفتوحة.
وكانت سنوات الحرب قد أدت إلى واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم، قبل أن تؤدي الهدنة إلى انخفاض كبير في العمليات العسكرية واسعة النطاق، رغم عدم التوصل إلى اتفاق سلام نهائي.
ويرى مراقبون أن استمرار الضربات المتبادلة، خصوصاً إذا تزامنت مع اتساع رقعة الجبهات وارتفاع عدد الضحايا، قد يجعل استعادة مسار التفاوض أكثر صعوبة.
وتزداد حساسية المشهد بسبب ارتباط الملف اليمني بالتوترات الإقليمية الأوسع، ولا سيما الصراع بين إيران وخصومها في المنطقة، وهو ما يجعل اليمن ساحة قابلة للتأثر بأي تطورات عسكرية أو سياسية خارج حدوده.
الأمم المتحدة تدعو إلى الحوار
وتؤكد الأمم المتحدة أن الحل العسكري لن ينهي الصراع اليمني، وأن التسوية المستدامة تحتاج إلى عملية سياسية شاملة يقودها اليمنيون بدعم أممي.
وكان مساعد الأمين العام للأمم المتحدة لشؤون الشرق الأوسط، محمد خالد خياري، قد شدد خلال إحاطة أمام مجلس الأمن في يوليو/تموز على أن التطورات الأخيرة تمثل تذكيراً بالحاجة إلى عملية سياسية يمنية شاملة، محذراً من أن اليمن والمنطقة لا يحتملان دورة جديدة من التصعيد.
ومع استمرار المواجهات في مأرب وحضرموت وغيرها من خطوط التماس، يبقى المسار الذي ستتخذه التطورات خلال الأيام المقبلة حاسماً في تحديد ما إذا كان التصعيد سيظل ضمن حدود عمليات عسكرية متبادلة، أم يتحول إلى مواجهة أوسع تعيد اليمن إلى أجواء الحرب الشاملة.
وتأتي هذه التطورات في وقت تزداد فيه المخاوف من تداخل الجبهات اليمنية مع أمن البحر الأحمر والسعودية والممرات البحرية الدولية، ما يرفع كلفة أي تصعيد جديد ويجعل احتواء الأزمة أولوية إقليمية ودولية.
