أنيسة الهوتي
في السنوات الأخيرة، لم تنتشر عبارة على ألسنة الناس كما انتشرت عبارة: "اعتزل ما يؤذيك." حتى أصبحت تُقال بثقة، ويستشهد بها الناس عند كل خلاف، وكأنها قاعدة شرعية، بل إن بعضهم يظنها حديثًا عن رسول الله ﷺ أو أثرًا عن الصحابة. وهنا تكمن الخطورة.
فهذه العبارة ليست حديثًا نبويًا، ولا ثبتت عن الصحابة بالمعنى المتداول، فقد قالها عمر بن الخطاب بقصد ترك المعاصي. ولكنها أصبحت عبارة ثقافية معاصرة، نشأت في سياق ثقافة العلاج النفسي والتنمية الذاتية، ثم تسللت إلى مجتمعاتنا حتى أصبحت، عند البعض، ميزانًا يُوزن به الناس والعلاقات، ثم تم إلباسها عمامة الدين.
والمؤلم أن بعض الناس لم يكتفِ بترديدها، بل جعلها سببًا لهدم بيوت، وقطع أرحام، وإنهاء علاقات كان يمكن أن تُصلح بكلمة صادقة أو جلسة هادئة.
أعرف قصة أخوات كانت لهن أخت كبرى، لم تكن مجرد أخت، بل كانت لهن أمًّا بعد الأم. وقفت معهن، وأحببْنَها، وحملت همومهن، وفرحت لأفراحهن.
ثم جاء يوم، حمل بعض الفتانين والنمامين كلامًا من هنا وهناك، وأشعلوا نار الفتنة.
لم تطرق الأخوات باب أختهن ليسألنها: هل هذا صحيح؟ لم يمنحنها فرصة لتتكلم، ولم يبحثن عن الحقيقة، بل اخترن الصمت... ثم القطيعة.
وعندما سُئلن: لماذا؟
كان الجواب صادمًا:
"نحن نطبق: اعتزل ما يؤذيك".
أي أذى هذا الذي يُبنى على كلام الناس؟ وأين أمر الله: ﴿فَتَبَيَّنُوا﴾؟ وأين قوله سبحانه: ﴿وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ﴾؟
وهل أصبحت كلمة متداولة من سفيه أقوى من آية محكمة؟
وقصة أخرى لا تقل وجعًا.
رجل ضاق بخلافات زوجية روتينية من زوجته اليتيمة التي ليس لها غيره، تتنفس فيه بعفوية. والزوج، في كل مرة، يذهب إلى والده يشكو زوجته، لربما ينتظر كلمة طبطبة، أو نصيحة من شخص خبير بالحياة، لكن الأب قال له عبارة واحدة: "اعتزل ما يؤذيك يا بني". فعاد الرجل، وطلق زوجته.
زوجة كانت تحبه، وتحب بيتها، وربما كانت تنتظر منه محاولة إصلاح واحدة، أو توضيحًا لأمور مشبوهة، لا ورقة طلاق.
وهكذا، كم بيتًا انهار لأن أحدهم اختصر الحياة كلها في شعار؟ متناسيًا أن الإسلام لم يُبنَ على الشعارات، وإنما على الحكمة.
لم يقل القرآن: إذا أخطأ قريبك فاقطعه. ولم يقل: إذا أغضبك زوجك أو زوجتك فاهدم الأسرة. بل قال: تبينوا. وقال: أصلحوا. وقال: والصلح خير. وأمر بصلة الرحم، ونهى عن القطيعة، وجعل الإصلاح بين الناس من أعظم القربات. ولا ينظر الله إلى قاطع رحم.
وهذا لا يعني أن الإنسان مطالب بقبول الظلم أو البقاء في علاقة مؤذية على الدوام. فهناك ظلم حقيقي، وهناك عنف وإساءة، وهذه لها أحكامها. لكن تحويل كل خلاف، وكل زلة، وكل كلمة، إلى سبب للهجر والطلاق والقطيعة، ليس من هدي الإسلام.
والأخطر من ذلك أن تُلبس هذه العبارات لباس الدين، أو تُردد وكأنها من كلام النبي ﷺ، وهي ليست كذلك.
إن التلاعب بالدين لا يكون دائمًا بتحريف النصوص، بل قد يكون أيضًا بتقديم كلمات البشر على هدي الوحي، حتى تصبح الشعارات هي المرجع، وتُنسى الآيات والأحاديث.
نحن اليوم لا نحتاج إلى مزيد من العبارات الرنانة، بل نحتاج إلى أن نستعيد أخلاق القرآن داخل بيوتنا: التثبت قبل الاتهام، والحوار قبل القطيعة، والإصلاح قبل الهدم، والرحمة قبل إصدار الأحكام.
فكم من رحمٍ انقطع بسبب وشاية، وكم من زوجة نامت باكية لأن أحدهم فضّل شعارًا على محاولة إصلاح، وكم من قلب كُسر لأنه لم يجد من يسمع روايته.
ليس كل ما يريح النفس يرضي الله، وليس كل ما ينتشر بين الناس حكمة.
فالدين لا يُؤخذ من العبارات المتداولة، وإنما يُؤخذ من كتاب الله، وسنة رسوله ﷺ، ومن الفهم الراشد الذي يوازن بين الحق والرحمة، وبين العدل والإحسان.
