الحب والجمال ثقافة تحتضر في المجتمعات العربية!

 

 

د. محمود البلوشي

تمتد الثقافة العربية الإسلامية من الخليج العربي إلى المحيط الأطلسي، وتتميز بإرثها الممتد، وتعد من أقدم الثقافات في العالم، وتتميز بلغة عربية غنية، وموروث ضخم في الشعر والأدب والفلسفة، وميدان ضخم للعلوم كافة، وتشتهر الثقافة العربية بالقيم الأصيلة كالكرم والضيافة، بالإضافة إلى الفنون المعمارية الإسلامية، وتتميز الثقافة العربية الإسلامية بتركيزها العميق على القيم الأسرية والتضامن الاجتماعي، ومكانة اللغة العربية بوصفها الوعاء الجامع للهوية، كما تستمد جذورها من إرث تاريخي عريق يوازن بين التقاليد القبلية والعمق الوجداني والأخلاقي المستمد من الحضارة الإسلامية، وثقافة الحب عند العرب هي مزيج عميق من العاطفة والشعر والقيم الأخلاقية والفتوة والشجاعة.

وقد برع العرب في وصف درجات الحب ومسمياته، فبدأ بالهوى، والميل، والعشق، والتيم، والوله، والصبابة، والوجد، والغرام، والهيام، ويزخر التراث العربي بقصص حب أسطورية خلدها التاريخ، تميزت بالوفاء والعشق العذري، ومن أشهرها (قصة قيس مجنون ليلى، وقصة عنترة وعبلة، وقصة جميل وبثينة، وقصة توبة وليلى الأخيلية)، والعديد من قصص الحب والغرام، قصص جسدت الوفاء والشوق والتضحية في أسمى معانيها.

أما عن الجمال عند العرب، فقد ارتبط بالجمال الحسي والمعنوي، حيث تغزل الشعراء بالمرأة ذات القوام الممشوق، والوجه المضيء، والعينين الواسعتين، والشعر الأسود الطويل، كذلك أولى العرب اهتمامًا بالغًا بالجمال الداخلي، واعتبروا الذكاء والحياء والخلق الرفيع من أسمى معايير الجاذبية والكمال، فما هو حال هذه الثقافة الآن؟ هل لا تزال مستمرة كغيرها من الثقافات الأخرى، أم إنها انحسرت، أو تلاشت، أو تقلصت؟ فمن المفترض ألا تتلاشى هذه الثقافة، خاصة في ضوء أن عالم اليوم عالم شديد التعقيد، كثير المشكلات والمنغصات، تكاد تسحقه ثقافة السوق، ومادية السوق، وموضة السوق التي تهيمن عليها الشهوات والملذات، حتى أصبح العالم عالمًا ماديًا نفعيًا تجردت منه كل القيم الجميلة، ولا ننسى كذلك أن ثقافة العنف والخلافات والنزاعات والصراعات التي تملأ الشاشات الفضائية ضاعفت من أزمة الثقافة المعاصرة.

وقد أسهمت العديد من الأسباب في تقليص مساحة الحب والجمال في الثقافة العربية، منها انتشار الأمية، وضعف مناهج التعليم، وغياب قيم الحب والجمال عن منابر التأثير الاجتماعية، مثل المساجد ووسائل الإعلام والندوات والمحاضرات، وأصبح الفرد همه الأول هو توفير قوت يومه لأسرته، والصراع من أجل البقاء والعيش بسلام، مع العلم أن النصوص العديدة من القرآن الكريم والسنة النبوية تحث وتشجع على ممارسة ثقافة الحب والجمال في محيط الأسرة، وفي إطار شرعي، وعلاقات شرعية حددها ديننا الإسلامي الحنيف، كالعلاقة الزوجية، والعلاقات الأسرية بين الإخوة والأخوات، فمثل هذه العلاقات لا ترتوي ولا تنمو إلا بالعطاء العاطفي، والشعور بالدفء والحنان بين أطرافها، والكلمة الطيبة التي تلاشت بين أفراد الأسرة، وأصبحت العلاقات علاقات مادية نفعية تغلبها المصلحة العامة بين الأفراد.

ويعد الحب في القرآن الكريم أساسًا للعلاقات ومحركًا للعبادات، حيث وردت مفرداته (الحب، والمودة، والرحمة) في عشرات الآيات، حيث يرسي القرآن منهجًا شاملًا يربط محبة الله بتهذيب النفوس وبناء مجتمع متراحم، داعيًا إلى المحبة كقيمة إنسانية تعزز التواصل والخير، وليكن لنا الحبيب المصطفى، عليه أفضل الصلاة والسلام، في حبه للسيدة عائشة، رضي الله عنها، مضربًا للمثل في الرومانسية والوفاء والتودد.

وقد تجلى ذلك في مواقف كثيرة، مثل حرصه على الشرب من نفس موضع شربها، والتسابق معها، وقوله لها واصفًا حبه لها: (كعقدة الحبل)، وكانت، رضي الله عنها، تفرح بذلك، وتسأله بين الحين والآخر: "كيف العقدة يا رسول الله؟"، فيبتسم ويقول لها: "على حالها"، فهذا هو تعامل الرسول مع زوجته، فكيف بنا نحن؟

ومن الأسباب الرئيسة التي أدت إلى افتقار عشِّ الحياة الزوجية إلى مثل تلك الثقافة، هو التسليم بأن الحياة الزوجية قائمة على الحقوق والواجبات، وحسن العشرة، وتوفير المستلزمات، فلا خلاف في ذلك حسب ثقافة الفرد، ولكن كل فرد منا يحتاج إلى الاستماع إلى الكلام الجميل اللطيف، والثناء، وكما نعلم جميعًا أن الأذن تعشق قبل العين، فرفقًا يا معشر الرجال بتلك الأنثى التي كانت تُوأد في الجاهلية، وتضطهد في العصور الماضية، وتوهم بالحرية والمساواة في عصرنا الحالي، فكن بها لطيفًا، فقد تركت أسرتها لتعيش في كنفك أيها الرجل!

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z