د. حامد بن عبدالله البلوشي
لقد دخلت عُمان، في ظل القيادة الحكيمة لحضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم -حفظه الله ورعاه-، مرحلةً جديدةً من البناء الوطني، تتجاوز حدود التخطيط التقليدي إلى بناء نموذج تنموي حديث، يجعل الإنسان محور التنمية وغايتها، ويرتكز على الكفاءة، والحوكمة، والاستدامة، والابتكار، ويؤمن بأن لكل محافظة خصوصيتها وتميزها، ولكل منطقة مواردها وإمكاناتها، ولكل مجتمع قدرته على صناعة مستقبله. ومن هنا جاءت رؤية "عُمان 2040" لتؤكد أن التنمية لم تعد تُدار من المركز وحده، أو يُوكل أمرها إلى العاصمة بمفردها، وإنما أصبحت مسؤولية تشاركية، تتوزع أدوارها بين مختلف المحافظات.
ومن هذا المنطلق، يأتي تدشين الهوية الترويجية والخطة الإستراتيجية لمحافظة شمال الباطنة ليجسد هذا التوجه الوطني، ويترجم مستهدفات رؤية "عُمان 2040" إلى برامج عملية تنطلق من الواقع، وتستند إلى الموروث، وتستشرف المستقبل، وتعمل على تحويل المزايا النسبية التي تمتلكها المحافظة إلى مزايا تنافسية قادرة على جذب الاستثمار، وتحفيز الاقتصاد، وتعزيز جودة الحياة.
إن تدشين الهوية الترويجية والخطة الاستراتيجية لمحافظة شمال الباطنة لا يأتي مجرد إطلاق شعار، أو إعلان وثيقة تخطيطية، بل يعكس ميلاد مرحلة جديدة من العمل التنموي المؤسسي، تقوم على وضوح الرؤية، وسعة الأفق، ودقة التخطيط، واستثمار المقومات.
ولعل من أبرز ما يميز هذه الهوية والاستراتيجية أنهما لم تكونا نتاج اجتهادات فردية، أو رؤية أحادية، أو قرارات معزولة، بل ثمرة عمل تشاركي واسع، شاركت فيه مختلف شرائح المجتمع. وهذا النهج يعكس إيمانًا راسخًا بأن التنمية الحقيقية لا تُفرض من أعلى، وإنما تُبنى بالشراكة والحوار.
إن إشراك المجتمع في بناء الإستراتيجية يمنحها شرعية اجتماعية، ويجعل أبناء المحافظة أكثر ارتباطًا بها، وأشد حرصًا على نجاحها؛ لأن الإنسان يدافع عن المشروع الذي أسهم في بنائه أكثر من المشروع الذي فُرض عليه.
ولم تقف عناصر التميز عند المشاركة المجتمعية، بل امتدت إلى المنهجية العلمية التي بُنيت عليها الاستراتيجية، حيث اعتمدت على دراسة الواقع، وتحليل البيانات، واستشراف المستقبل، وقراءة الفرص والتحديات، والاستفادة من أفضل الممارسات العالمية، وربط الأهداف بالمؤشرات، والبرامج بمراحل التنفيذ، والنتائج بآليات المتابعة والتقويم.
ولعل أجمل ما يلفت الانتباه في الهوية الترويجية الجديدة أنها لم تُصمم لتكون عملًا بصريًا فحسب، بل جاءت لتعكس روح المحافظة، وتستحضر تاريخها، وتجسد حاضرها، وتستشرف مستقبلها.
كما تتسم الاستراتيجية بالشمولية والتكامل، فلم تنظر إلى التنمية من زاوية اقتصادية فحسب، بل تعاملت معها بوصفها منظومة متكاملة تشمل الاقتصاد، والاستثمار، والتعليم، والثقافة، والسياحة، والبيئة، والابتكار، والخدمات، وجودة الحياة، والهوية المحلية، والتمكين المجتمعي.
وليس غريبًا أن تكون محافظة شمال الباطنة مؤهلة لتتبوأ مكانة متقدمة في خريطة التنمية الوطنية؛ فهي محافظة عريقة في تاريخها، أصيلة في هويتها، غنية بمواردها، متنوعة في مقوماتها. فمنذ القدم شكّلت سواحلها بوابة بحرية للتجارة والتواصل الحضاري، وربطت عُمان بالعالم عبر طرق الملاحة والتبادل التجاري، وأسهمت موانئها في ترسيخ مكانة عُمان البحرية التي عُرفت بها عبر التاريخ.
واليوم تواصل المحافظة أداء هذا الدور الحيوي من خلال ما تحتضنه من موانئ ومناطق صناعية ولوجستية، وفي مقدمتها ميناء صحار والمنطقة الحرة، اللذان أصبحا من أبرز المحركات الاقتصادية في المنطقة، وأسهما في استقطاب استثمارات نوعية، وتعزيز الصناعات التحويلية، وتنمية قطاع الخدمات اللوجستية، وخلق فرص عمل، وربط الاقتصاد العُماني بالأسواق الإقليمية والعالمية. وإلى جانب ذلك، تتمتع المحافظة بموقع جغرافي استراتيجي يجعلها بوابة اقتصادية مهمة بين السلطنة ودول مجلس التعاون الخليجي، وهو ما يمنحها مزايا تنافسية كبيرة في مجالات التجارة، والنقل، والاستثمار.
ولا تقتصر ثروة شمال الباطنة على الجانب الاقتصادي، بل تزخر كذلك بمقومات سياحية، وثقافية، وتراثية فريدة؛ فهي تجمع بين الشواطئ الممتدة، والوديان، والجبال، والواحات، والأسواق التقليدية، والقلاع والحصون، والموروث الثقافي الغني، والعادات الأصيلة، والإنسان العُماني المعروف بكرمه، وانفتاحه، وروحه الإنتاجية.
ولعل من أهم عناصر النجاح في هذا المشروع اقتران الهوية الترويجية بالخطة الإستراتيجية؛ فالهويات البصرية، مهما بلغت جاذبيتها، تظل محدودة الأثر إذا لم تستند إلى مشروع تنموي واضح، وعندما تجتمع الصورة مع المضمون، والرؤية مع التنفيذ، يصبح المشروع أكثر قدرة على المنافسة، وأكثر جذبًا للمستثمرين، وأكثر حضورًا في الوعي المحلي والعالمي.
وفي عصر تتنافس فيه المدن والمناطق على استقطاب الاستثمارات، والكفاءات، والسياح، لم يعد التميز يعتمد على الموقع الجغرافي وحده، بل أصبح قائمًا على بناء علامة مكانية قوية، تعكس شخصية المحافظة، وتبرز نقاط قوتها، وتروي قصتها للعالم، بما يسهم في تنويع الاقتصاد، وتعزيز التنمية المستدامة.
وما يبعث على التفاؤل أن هذا المشروع يتناغم مع الفكر التنموي الحديث الذي يقوده جلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم -حفظه الله ورعاه-، وهو فكر يؤمن بأن التنمية تبدأ بالإنسان وتنتهي إليه، وأن الاستثمار الحقيقي هو الاستثمار في العقول، وبناء القدرات، وتمكين الشباب، وتعزيز المشاركة المجتمعية، وترسيخ مبادئ الحوكمة، وتحقيق العدالة في توزيع فرص التنمية بين مختلف المحافظات.
وهكذا تمضي شمال الباطنة، واثقة الخطى، مستندة إلى تاريخ عريق، ومؤمنة بقدرات إنسانها، ومتسلحة برؤية واضحة، لتكتب فصلًا جديدًا من فصول النهضة العُمانية المتجددة، ولتؤكد أن الهوية ليست روايةً عن الماضي فحسب، بل هي عهدٌ للمستقبل، وأن الاستراتيجية ليست وثيقةً تُحفظ في الأدراج، بل طريقٌ يُسلك نحو غدٍ أكثر إشراقًا وازدهارًا.
ويأتي التحدي الأكبر في ترجمة هذه الاستراتيجية إلى واقع ملموس، وإنجازات على أرض الواقع، واستدامة العمل، والتكامل بين مختلف الجهات، والمتابعة المستمرة لمستهدفات الإستراتيجية، لتكون محافظة شمال الباطنة نموذجًا وطنيًا في التنمية المستدامة، وقصة نجاح جديدة تُضاف إلى مسيرة النهضة المتجددة التي يقودها مولانا حضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم -حفظه الله ورعاه-، وسدد على طريق الخير خطاه.
**مدير عام شبكة الباحثين العرب في مجال المسؤولية المجتمعية
