د. صالح بن ناصر القاسمي
يحكم الإنسان، منذ أن وطئت قدماه هذه الأرض، منظومة من المبادئ والقيم التي تنظم سلوكه، وترسم ملامح علاقته بنفسه وبالآخرين. فهي التي تحدد طريقة تعامله مع أسرته، وجيرانه، ومجتمعه، بل وحتى مع من يختلف عنه في الدين أو الثقافة أو اللغة. ولم تكن هذه المبادئ يومًا حكرًا على أمة دون أخرى، وإنما هي فطرة إنسانية اشتركت فيها البشرية عبر العصور، وأدركت أن استقامة الحياة لا تقوم إلا بها، وأن التفريط فيها هو أول الطريق إلى اضطراب المجتمعات وانهيارها.
ولذلك كانت الأخلاق، منذ فجر التاريخ، الميزان الحقيقي الذي تقاس به الأمم، قبل أن تقاس بما تملكه من قوة أو سلطان أو ثروة. فقد عرفت المجتمعات البشرية قيم الصدق، والأمانة، والوفاء، والعدل، واحترام الجار، وإغاثة الملهوف، قبل نزول الرسالات السماوية؛ لأنها وجدت في هذه المبادئ ضمانًا لاستمرار الحياة واستقرارها. ولم يكن الإنسان بحاجة إلى قانون مكتوب حتى يدرك أن الظلم قبيح، وأن الغدر مذموم، وأن حفظ الحقوق فضيلة تستحق الاحترام.
ولعل المجتمع العربي قبل الإسلام يقدم نموذجًا واضحًا لهذه الحقيقة؛ فقد كان يعتز بجملة من الأخلاق والعادات التي يرى في المحافظة عليها حفاظًا على مكانته بين القبائل. وكان تجاوز بعضها يعد عارًا يلاحق صاحبه مدى الحياة. ومن أشهر الشواهد على ذلك ما روي عن أبي جهل ليلة الهجرة، حين اقترح عليه بعض المشركين أن يتسور بيت النبي ﷺ، فرفض قائلًا: "فيصبح العرب يقولون إن أبا الحكم روّع بنات محمد ليلًا". وبرغم شدة عداوته للنبي ﷺ، إلا أنه لم يقبل أن يوصم بخرق قيمة أخلاقية كانت العرب تعدها من الثوابت، وهي حرمة البيوت وصيانة النساء.
ثم جاءت الرسالات السماوية لتؤكد هذه المبادئ، وترتقي بها، وتجعلها عبادةً يتقرب بها الإنسان إلى ربه. ولم تأتِ رسالة الإسلام لتنشئ الأخلاق من العدم، وإنما جاءت لتتمم مكارمها، كما قال النبي ﷺ: "إنما بُعثت لأتمم مكارم الأخلاق." كما وصف الله تعالى نبيه بقوله: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾، في دلالة واضحة على أن الأخلاق ليست أمرًا هامشيًا في الدين، بل هي من أعظم مقاصده، حتى قيل: إن الدين كله أخلاق، فمن زاد عليك في الخلق زاد عليك في الدين.
ورغم ما تملكه المجتمعات اليوم من أنظمة وتشريعات ومحاكم وهيئات رقابية، فإن جميعها يبقى عاجزًا عن مرافقة الإنسان في كل لحظة من حياته. فهناك مواقف لا يراها أحد، ولا تلتقطها كاميرا، ولا تصل إليها سلطة القانون. ومع ذلك نجد كثيرًا من الناس يرفضون الكذب، ويؤدون الأمانات، ويتركون الظلم، ويردون الحقوق إلى أصحابها، ليس خوفًا من عقوبة، وإنما لأن داخلهم صوتًا يرفض ذلك، ويشعرهم بالقلق إذا تجاوزوا حدود الصواب.
وفي المقابل، قد نجد من يلتزم بالقانون أمام الناس، لكنه يتحايل عليه متى ما سنحت له الفرصة؛ لأنه لم يبنِ في داخله ذلك الوازع الذي يمنعه من الخطأ. وهنا تتجلى الحقيقة التي كثيرًا ما يغفل عنها الناس؛ فالقانون يستطيع أن ينظم السلوك الظاهر، لكنه لا يستطيع أن يصنع الضمير، ولا أن يغرس الأخلاق في النفوس. ولذلك فإن المجتمعات التي تعتمد على قوة القانون وحده، دون بناء الإنسان من الداخل، ستظل في حاجة إلى مزيد من العقوبات؛ لأنها عالجت النتيجة، ولم تعالج السبب.
ومن هنا يمكن أن نستعير مصطلح "المحكمة الوجدانية"، لنصف تلك الرقابة الداخلية التي أودعها الله في نفس الإنسان، والتي تجعله يحاسب نفسه قبل أن يحاسبه الآخرون. إنها محكمة لا تحتاج إلى قاضٍ أو شهود، ولا إلى قاعة للمرافعات، ولا تصدر أحكامها في ملفات القضايا، وإنما تنعقد في أعماق الضمير، كلما همّ الإنسان بفعل أو قول أو قرار. وهي المحكمة الوحيدة التي لا يستطيع الإنسان الهروب منها؛ لأنها تسكن داخله، وترافقه في خلوته كما ترافقه في علانيته.
ولعل أعظم ما يميز هذه المحكمة أنها لا تكتفي بالحكم على الأفعال، بل تمتد إلى النيات والدوافع. فقد يمدح الناس إنسانًا على عمل قام به، بينما يعلم هو في قرارة نفسه أنه لم يكن مخلصًا فيه، فيبقى ضميره يؤنبه، رغم تصفيق الناس له. وقد يتعرض آخر للاتهام أو سوء الفهم، بينما يشعر في داخله براحة وطمأنينة؛ لأنه يعلم صدق نيته واستقامة قصده. ولهذا كانت المحكمة الوجدانية أعدل المحاكم؛ لأنها لا تنظر إلى الظاهر وحده، بل إلى حقيقة الإنسان كما يعلمها هو عن نفسه.
واليوم، ورغم ما وصل إليه الإنسان من تقدم في مختلف مجالات الحياة، إلا أن الأخلاق لا تزال هي الفاصل الحقيقي بين الاستخدام الصحيح والخاطئ لكل هذا التقدم. فالتقنية قد تسهل حياة الإنسان، لكنها لا تعلمه الصدق، ولا تغرس فيه الأمانة، ولا تمنعه من ظلم غيره إذا غاب وازعه الداخلي. ولهذا ستظل الأخلاق هي الأساس الذي يوجه كل تقدم؛ لأن أي إنجاز لا تحكمه القيم قد يتحول من وسيلة للبناء إلى سبب في الهدم.
إن المجتمعات لا تُبنى بالقوانين وحدها، بل تُبنى، قبل ذلك، بتربية الضمير. فالأسرة، والمدرسة، والمسجد، والإعلام، جميعها تتحمل مسؤولية غرس القيم في نفوس الأجيال، حتى يصبح الصدق عادة، والأمانة سلوكًا، واحترام الآخرين جزءًا من تكوين الإنسان، لا مجرد خوف من العقوبة. فحين ينشأ الطفل على مراقبة الله قبل مراقبة الناس، وعلى احترام نفسه قبل البحث عن احترام الآخرين، تتكون داخله تلك المحكمة التي سترافقه طوال حياته.
ولعل أخطر ما يمكن أن يصيب أي مجتمع ليس ضعف موارده، ولا قلة إمكاناته، وإنما أن تضعف فيه الضمائر؛ لأن انهيار الأخلاق هو بداية انهيار كل شيء. فكم من حضارة بلغت أوج قوتها ثم تهاوت حين ضعفت منظومتها القيمية، وكم من أمة بقيت شامخة رغم قلة إمكاناتها؛ لأنها حافظت على مبادئها وأخلاقها.
إن الإنسان قد ينجح في الإفلات من رقابة الناس، وقد يجد ثغرة يتجاوز بها القانون، لكنه لن يستطيع أن يغيب عن تلك المحكمة التي تعقد جلساتها في داخله كل يوم. فهي المحكمة التي لا تعرف المجاملة، ولا تؤجل أحكامها، ولا تحتاج إلى استئناف؛ لأنها تستند إلى أصدق شاهد، وهو ضمير الإنسان نفسه. وإذا بقيت هذه المحكمة يقظة في النفوس، استقامت المجتمعات ولو قلّت القوانين، أما إذا ماتت، فلن تكفي آلاف الأنظمة والتشريعات لصناعة مجتمع يسوده الأمن والعدل والطمأنينة.
