استدامة توفير الدواء في عُمان.. بين التحديات وحق المريض في العلاج

 

 

د. سالم بن محمد عمر العجيلي

يُعدّ توفر الدواء أحد أهم ركائز نجاح أي منظومة صحية، فهو الحلقة التي تكتمل بها رحلة العلاج، والعنصر الذي يمنح المريض الشعور بالأمان والاستقرار الصحي. وعندما يغيب الدواء أو يتأخر توفيره، لا تقتصر آثاره على الجانب الطبي فحسب، بل تمتد إلى الجوانب النفسية والاجتماعية والاقتصادية، ولا سيما لدى المرضى الذين يعتمدون على العلاج بصورة مستمرة.

ورغم التطور الملحوظ الذي شهدته المنظومة الصحية في سلطنة عُمان خلال السنوات الماضية، وما تبذله الجهات المختصة من جهود مستمرة لتطوير الخدمات الصحية، فإن بعض المؤسسات الصحية تواجه أحيانًا نقصًا في بعض الأصناف الدوائية، سواء المتعلقة بالأمراض المزمنة أو العلاجات التخصصية. ويُعد هذا التحدي جزءًا من مشكلة عالمية واجهتها العديد من الأنظمة الصحية خلال السنوات الأخيرة، في ظل اضطرابات سلاسل الإمداد، وارتفاع تكاليف الإنتاج والنقل، الأمر الذي أدى إلى نقص بعض الأدوية حتى في دول تمتلك أنظمة صحية متقدمة.

وتعود أسباب هذه المشكلة إلى مجموعة من العوامل المتداخلة، في مقدمتها اعتماد سلطنة عُمان على استيراد جزء كبير من احتياجاتها الدوائية، مما يجعل توفر بعض الأدوية مرتبطًا بظروف الإنتاج والشحن والتوريد العالمية. وقد شهد العالم خلال السنوات الأخيرة تحديات متلاحقة أثرت في سلاسل الإمداد نتيجة الأزمات الاقتصادية، والتوترات الجيوسياسية، وارتفاع تكاليف النقل، ونقص بعض المواد الخام المستخدمة في صناعة الأدوية، وهو ما انعكس على العديد من الأنظمة الصحية حول العالم.

ويسهم النمو السكاني وارتفاع معدلات الإصابة بالأمراض المزمنة، مثل السكري وأمراض القلب وارتفاع ضغط الدم، في زيادة الطلب على الأدوية والخدمات الصحية بصورة مستمرة، مما يشكل ضغطًا إضافيًا على المخزون الدوائي. وقد تتأثر بعض الأصناف أيضًا بعوامل تتعلق بعدم دقة التنبؤ بالكميات المطلوبة، خاصة خلال المواسم المرضية أو عند ارتفاع أعداد المرضى بصورة مفاجئة، أو بسبب تأخر إجراءات التوريد والتعاقد، أو محدودية التصنيع الدوائي المحلي، إضافة إلى الاستخدام غير الرشيد لبعض الأدوية وما يسببه من استنزاف للمخزون.

ولا يقتصر أثر نقص الأدوية على الجانب الصحي، بل يمتد إلى الجوانب الإنسانية والمعيشية، حيث يضطر بعض المرضى إلى شراء أدويتهم من الصيدليات التجارية بأسعار مرتفعة عند عدم توفرها في المؤسسات الصحية الحكومية. وتزداد معاناة أصحاب الدخل المحدود، وكبار السن، ومرضى الأمراض المزمنة والحالات الحرجة، إذ يجد بعضهم نفسه أمام أعباء مالية تفوق قدرته، أو أمام خيارات صعبة بين توفير متطلبات الحياة الأساسية وشراء العلاج اللازم لاستقرار حالته الصحية. وقد يدفع ذلك بعض المرضى إلى تأخير العلاج، أو تقليل الجرعات، أو عدم الانتظام في استخدامها، أو التوقف عنها بسبب الظروف المالية وعدم القدرة على تحمل تكاليفها، وهو ما ينعكس سلبًا على صحتهم ويزيد من احتمالية تعرضهم لمضاعفات خطيرة، لا سيما أن كثيرًا منهم يعتمد على العلاج اليومي بصورة مستمرة. فضلًا عن أن استمرار نقص بعض الأدوية يزيد من الضغط على المؤسسات الصحية، ويؤثر في مستوى رضا المراجعين وثقتهم بالخدمات الصحية المقدمة. كما أن ضمان توفر الدواء بصورة مستمرة يسهم في الحد من المضاعفات الصحية، ويخفف من تكاليف العلاج على المرضى والمنظومة الصحية، ويعزز كفاءة الإنفاق الصحي، بما ينعكس إيجابًا على جودة الرعاية الصحية واستدامتها.

ومن هنا تبرز أهمية تبني حلول عملية ومستدامة، في إطار رؤية شاملة ومنظومة وطنية متكاملة لتعزيز الأمن الدوائي. ويأتي في مقدمة هذه الحلول إنشاء مخزون استراتيجي للأدوية الأساسية يضمن توفرها في مختلف الظروف. كما يُعد دعم الصناعات الدوائية المحلية خيارًا استراتيجيًا يسهم في ترسيخ الأمن الدوائي، والحد من آثار التقلبات العالمية، وزيادة قدرة الدولة على الاستجابة للأزمات والطوارئ. ويُسهم تطوير الأنظمة الإلكترونية والربط الرقمي بين المؤسسات الصحية في رفع كفاءة إدارة المخزون، والحد من الهدر، وسرعة إعادة توزيع الأدوية عند حدوث أي نقص.

كذلك يمثل تسريع إجراءات التوريد والتعاقد، من خلال تبسيط الإجراءات الإدارية دون الإخلال بمعايير الجودة والسلامة، خطوةً مهمةً لضمان استمرارية توفير الأدوية. ويواكب ذلك تعزيز الشراكة بين القطاعين الحكومي والخاص، وتوسيع برامج دعم المرضى غير القادرين على تحمل تكاليف العلاج، حتى لا يتحول المرض إلى عبء يفوق قدرة الإنسان على الاحتمال. ولا تقل أهمية عن ذلك نشر ثقافة الاستخدام الرشيد للأدوية، والحد من الهدر والتخزين غير المبرر، إلى جانب تطوير كفاءة التخطيط الدوائي، بوصفها ركائز أساسية لتعزيز استدامة الأمن الدوائي.

وفي الختام، فإن توفير الدواء لا يمثل مجرد خدمة صحية، بل هو ركيزة أساسية من ركائز الأمن الصحي وحق أصيل لكل إنسان. فالمجتمعات تُقاس بمدى اهتمامها بصحة الإنسان وكرامته، وبجودة منظومتها الصحية وقدرتها على توفير العلاج في الوقت المناسب. ورغم أن تحديات الإمداد الدوائي أصبحت قضية عالمية تتأثر بالمتغيرات الاقتصادية واللوجستية والصحية، فإن سلطنة عُمان تمتلك المقومات اللازمة لمواجهتها من خلال التخطيط الاستراتيجي، وتعزيز المخزون الاحتياطي، ودعم الصناعات الدوائية المحلية، وتطوير أنظمة التنبؤ والإدارة والتوزيع، إلى جانب دعم الفئات الأكثر تضررًا. وعندما يطمئن المريض إلى توفر علاجه في الوقت الذي يحتاج إليه، تتحقق إحدى أهم غايات الرعاية الصحية، ويترسخ الشعور بالأمان والاستقرار، بما يسهم في تعزيز جودة الحياة ودعم مسيرة التنمية المستدامة في المجتمع.

ويبقى السؤال الأهم: أليس من الواجب أن نعمل جميعًا على التخفيف من معاناة المرضى، وتعزيز جهودنا لضمان وصول الدواء إلى كل مريض في الوقت الذي يحتاج إليه، بما يحفظ صحته وكرامته؟ فالإجابة عن هذا السؤال تبدأ بالإيمان بأن الدواء ليس رفاهية، بل حق إنساني، وأحد أهم مقومات الأمن الصحي والتنمية المستدامة. وحين يطمئن المريض إلى توفر علاجه، يطمئن المجتمع بأسره إلى قوة منظومته الصحية وقدرتها على صون صحة الإنسان وكرامته، فصحة الإنسان ستظل دائمًا الاستثمار الحقيقي في مستقبل الوطن.

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z