محمد بن سلطان الساعدي
تابع أحد الأصدقاء عبر منصة “سناب شات” أحد المروجين وهو يتحدث بحماس عن محل يبيع الأقمشة بأسعار معقولة، مؤكدًا لمتابعيه أنها ذات جودة عالية، بل استخدم العبارة الدارجة: “هذه كواليتي”، في إشارة إلى أنها من أفضل ما يمكن أن يجده المشتري. كانت كلماته مليئة بالثقة، حتى إنه أوحى بأن من يفوّت فرصة الشراء سيكون قد خسر شيئًا مميزًا.
بدافع الفضول، وربما الثقة بما قيل، قررت زيارة المحل بنفسي. لكن الواقع كان مختلفًا. لم تكن الأقمشة سيئة، لكنها أيضًا لم تكن بالجودة التي صُوّرت بها، ولم أجد ذلك المستوى الذي استحق كل تلك العبارات الرنانة. عندها تبادر إلى ذهني سؤال بسيط: لماذا يلجأ بعض المروجين إلى هذا الكم من المبالغة؟ وهل أصبحت الحقيقة وحدها غير كافية لإقناع الناس؟
لا أحد يعترض على مهنة التسويق، فهي اليوم من أهم أدوات التجارة، وأسهمت في تعريف الناس بالمنتجات والخدمات، ووفرت فرص عمل للكثيرين. لكن التسويق يختلف تمامًا عن التضليل. والإعلان الناجح هو الذي يقدم المنتج كما هو، لا كما يتمنى صاحبه أن يكون.
المشكلة أن بعض المروجين يظنون أن نجاحهم يقاس بقدرتهم على إبهار المتابعين بالكلمات، فيستخدمون أوصافًا من قبيل: “أفضل جودة”، و”لا مثيل لها”، و”فرصة لا تعوض”، بينما الحقيقة على أرض الواقع قد تكون أقل بكثير من تلك الوعود. وهنا تبدأ الفجوة بين الإعلان والتجربة.
المتابع اليوم أكثر وعيًا من أي وقت مضى. فهو لا يكتفي بمشاهدة الإعلان، بل يذهب بنفسه، ويُقارن، ويسأل، ويشارك تجربته مع الآخرين. ولذلك فإنَّ أي مبالغة غير مبررة قد تتحول إلى دعاية سلبية، ليس للمروج فقط، بل حتى للمحل الذي وثق به.
ومن الإنصاف ألا نعمم هذا الحكم على جميع المروجين، فهناك من يحترم جمهوره، ولا يقبل أن يمدح منتجًا لا يقتنع به، بل إن بعضهم يرفض التعاون مع جهات لا تقدم الجودة التي يستحقها المستهلك. هؤلاء هم الذين استطاعوا أن يبنوا أسماءهم على المصداقية، لا على كثرة الإعلانات.
كما أن أصحاب المحال يتحملون جزءًا من المسؤولية. فالتسويق قد يجذب الزبون لأول مرة، لكن الجودة وحدها هي التي تجعله يعود مرة أخرى. أما إذا شعر بأنه خُدع، فلن يخسر المحل عملية بيع واحدة فحسب، بل قد يخسر عميلًا دائمًا، وربما عشرات العملاء الذين سيصلهم انطباعه.
لقد أصبحت وسائل التواصل الاجتماعي سلاحًا ذا حدين؛ فهي قادرة على صناعة السمعة، وقادرة أيضًا على هدمها. والمروج الذكي هو من يدرك أن الثقة التي يبنيها مع جمهوره أغلى من أي مبلغ يتقاضاه مقابل إعلان واحد؛ فالمتابعون قد ينسون إعلانًا ناجحًا، لكنهم لا ينسون إعلانًا خدعهم.
ولعل أجمل إعلان هو الذي لا يحتاج إلى مبالغة؛ فالمنتج الجيد يتحدث عن نفسه، والعميل الراضي هو أفضل وسيلة للتسويق. أما الكلمات الكبيرة التي لا يسندها واقع، فإنها لا تصمد طويلًا أمام أول تجربة حقيقية.
ويبقى السؤال مطروحًا: هل يستحق الإعلان المبالغ فيه أن نخسر من أجله ثقة الناس؟ أظن أن الجواب واضح. فالمصداقية ليست شعارًا، بل هي رأس مال كل مروج، وكل تاجر، وكل من يخاطب الناس. وإذا فقدها، فلن تعوضها آلاف المشاهدات ولا ملايين المتابعين.
ولهذا، فإن العبارة التي اخترتها عنوانًا لهذه المقالة تعبر عن واقع يلمسه كثير من الناس: “كذب المروجون ولو صدقوا”. فربما يصدقون في جزء مما يقولون، لكن كثرة المبالغة تجعل الحقيقة نفسها موضع شك، وعندها يخسر الجميع، ويظل الصدق هو الإعلان الذي لا يخسر أبدًا.
