د. غالية بنت عيسى الزبيدي
ما حكم الموظف الذي يخرج من منزله مع إشراقة الصباح، ملتزمًا بموعد عمله، متقلدًا بطاقته الوظيفية، متسلحًا بفنجان قهوته، ثم يصل إلى مقر عمله فلا يجد موقفًا لسيارته؟
وما حكم المؤسسة التي تستدعيه كل صباح إلى العمل، لكنها تنسى أن تسأل نفسها السؤال البسيط: أين سيضع سيارته؟
رغم أنها تعلم جيدًا أن هناك أزمة مواقف حقيقية.
وما حكم البلدية التي تأتي بعد ذلك لتكمل المشهد، فتضع على زجاج سيارته مخالفة مرورية لأنه وقف في المكان الخطأ، بعد أن أمضى نصف ساعة يبحث عن المكان الصحيح؟
ثم ما الحكم إذا تكرر الأمر كل يوم حتى أصبح جزء معتبر من الراتب يذهب في بند جديد يمكن تسميته: "ضريبة البحث عن موقف"؟
أسئلة قد تبدو ساخرة، لكنها في الحقيقة تلخص معاناة يومية يعيشها عدد غير قليل من الموظفين في بعض المؤسسات والمناطق المكتظة بالمركبات.
لقد أصبح الوصول إلى مقر العمل في بعض المواقع رحلةً مستقلة عن العمل نفسه. فالموظف لا يبدأ يومه بمراجعة جدول المهام أو الرد على الرسائل، بل يبدأه بالدوران حول المبنى، ثم حول المبنى المجاور، ثم حول الحي بأكمله، وكأنه يشارك في سباق تحمل لا في يوم عمل اعتيادي.
وفي ظل درجات الحرارة المرتفعة التي تعيشها سلطنة عمان خلال أشهر الصيف، لا يعود البحث عن موقف مجرد مسألة تنظيمية بسيطة، بل يتحول إلى عبء يومي يستنزف الوقت والجهد والطاقة قبل أن يبدأ الدوام أصلًا.
ومن المفارقات الجميلة المؤلمة في الوقت نفسه أن بعض المؤسسات اعتمدت نظام الدوام المرن بهدف تقليل الازدحام المروري وتخفيف الضغط على الطرق. وهي خطوة تستحق التقدير من حيث المبدأ، غير أن بعض التطبيقات العملية كشفت مفارقة لافتة؛ فالموظف الذي يلتزم بالدوام المرن ويصل في الساعة الثامنة والنصف أو التاسعة صباحًا يجد أن جميع المواقف قد امتلأت منذ وقت مبكر، فيقف أمام معضلة جديدة لم تكن في الحسبان.
وهكذا نكون قد نجحنا في تخفيف الازدحام على الطريق، لننقله بهدوء إلى ساحة المواقف.
ولعل السؤال الأكثر طرافة: هل يُؤثم الموظف إذا قضى ساعة كاملة يبحث عن موقف ثم أيقن استحالة المهمة، فعاد إلى منزله لينام؟ وهل يُحسب غيابه تقصيرًا أم يُسجل ضمن ساعات البحث الميداني؟
بالطبع لا أحد يدعو إلى ذلك، لكن السخرية هنا تكشف حقيقة مهمة؛ فالموظف لا يستطيع أداء عمله إذا كانت الخطوة الأولى للوصول إليه غير متاحة.
إن قضية المواقف ليست ترفًا عمرانيًا، ولا مطلبًا ثانويًا يمكن تأجيله إلى أجل غير مسمى، بل هي جزء من البنية الأساسية لأي مؤسسة تستقبل مئات أو آلاف المراجعين والموظفين يوميًا. فكما تُبنى المكاتب وقاعات الاجتماعات، ينبغي أن تُبنى المواقف وفق أعداد المستخدمين الفعلية، لا وفق تقديرات متفائلة على الورق.
والحلول موجودة وليست مستحيلة. فمن الممكن التوسع في إنشاء المباني متعددة الطوابق للمواقف، والاستفادة من الأراضي المجاورة غير المستغلة، وتخصيص مواقف للموظفين في المواقع ذات الكثافة العالية، وتوفير وسائل نقل جماعي من مواقف بعيدة إلى مقار العمل، إلى جانب إجراء دراسات واقعية قبل تطبيق أي نظام جديد للتأكد من أن الحل المقترح لا يخلق مشكلة أخرى أكثر تعقيدًا.
فالغاية من الإدارة الناجحة ليست نقل الأزمة من مكان إلى آخر، بل معالجتها من جذورها.
أما الموظفون، فلا يريدون امتيازات استثنائية، ولا يطلبون مواقف ذهبية أو مكيفة. كل ما يريدونه هو أن يصلوا إلى أعمالهم، ويؤدوا واجباتهم، ثم يعودوا إلى بيوتهم آخر النهار دون أن يكون العثور على موقف السيارة أصعب مهمة أنجزوها خلال يوم العمل كله.
