تحت شعار "الاستجابة الطارئة للتراث الحي في وقت النزاعات والكوارث"

سلطنة عُمان تشارك دول العالم في الاحتفاء باليوم العالمي للتراث

مسقط- العمانية

تشارك سلطنة عُمان دول العالم الاحتفال باليوم العالمي للتراث الذي يصادف الثامن عشر من أبريل من كل عام، تحت شعار "الاستجابة الطارئة للتراث الحي في وقت النزاعات والكوارث"؛ بهدف إبراز الجهود الدولية المبذولة في صون وحماية "التراث الحي" ذي الأهمية الثقافية عالميًّا، في ظل التحديات المتزايدة التي يواجهها نتيجة تسارع الكوارث والنزاعات ضمن سياقات معقدة ومتعددة المخاطر.

ويهدف شعار الاحتفال بهذا اليوم إلى حماية التراث الثقافي العالمي المادي وغير المادي أثناء الحروب والكوارث وتعزيز الاستجابة السريعة لإنقاذ المواقع التاريخية والعادات والتقاليد ودعم المجتمعات المحلية للحفاظ على هويتها الثقافية في الأزمات.

69e311ddada80.jpeg
 

وقال سعادة المهندس إبراهيم بن سعيد الخروصي وكيل وزارة التراث والسياحة للتراث إن الاحتفاء باليوم العالمي للتراث يعزز الاهتمام بهذا القطاع الذي يمثل ذاكرة الشعوب الحية والاعتزاز بالجذور الثقافية والانتماء للتاريخ الذي شكل الحاضر، ودوره في تعزيز الحفاظ على القيم والعادات، والحفاظ على الهوية الوطنية، بالإضافة إلى تنمية السياحة التراثية والثقافية وتعزيز القيمة المحلية المضافة، وتوظيف التراث الثقافي للأغراض السياحية.

وأكد سعادته في تصريح لوكالة الأنباء العُمانية أن سلطنة عُمان نجحت في إشراك المجتمعات المحلية كشريك رئيس في عمليات الإدارة والتشغيل والحفظ والصون، بما ينسجم مع الإرشادات التوجيهية لمنظمة  اليونسكو، وأثبتت تلك النجاحات التي تحققت أن التراث يشكل فرصة تنموية مستدامة.

69e311ddb04e4.jpeg
 

وأعلن سعادته بالتزامن مع احتفال سلطنة عمان بهذا اليوم عن نتائج برنامج المسوحات والتنقيبات الأثرية لموسم 2025/2026 الذي ضم 32 برنامجاً أثرياً، توزع على مختلف محافظات سلطنة عمان، وشهد تعاوناً مع أكثر من 11 دولة ومؤسسات علمية وبيوت خبرة عالمية، واخذت البعثات المشاركة خلاله بأحدث الأساليب التقنية، بما في ذلك تطبيقات الذكاء الاصطناعي، والتصوير الفوتوغرامتري والمسح الجيوفيزيائي، لتوثيق المواقع والحفاظ عليها رقمياً، مبيناً أن هذا البرنامج يأتي في إطار الجهود التي تقوم بها الوزارة لاكتشاف المواقع الأثرية وحمايتها، لإبراز العمق التاريخي والحضاري لسلطنة عمان.

وفيما يتعلق بالحفريات والمواقع الأثرية أوضح سعادته أن المشاريع البحثية لهذا الموسم غطت فترات زمنية ممتدة من العصور الحجرية القديمة وصولاً إلى العصور الإسلامية، من أبرزها تنفيذ الوزارة 7 برامج بحثية في محافظة الظاهرة، حيث كشفت البعثة الإيطالية من جامعة "سابينزا" في موقع "الشكور" بولاية ضنك عن مستوطنة محصنة تعود إلى الألفية الثالثة قبل الميلاد، وذلك خلال العصر البرونزي والعصر الحديدي المبكر، تضمن تقديم تحليل شامل لتطور الاستيطان البشري في الجزء الشمالي الغربي من عُمان تحديدُا في منطقة قميرا .

69e311ddb2689.jpeg
 

وأفاد سعادته أن الوزارة بالتعاون مع البعثة البولندية من جامعة وارسو تعمل وللموسم الثامن على استكمال التنقيب فوق تلة جبلية تعود إلى فترة العصر الحديدي بهدف توثيق الموقع بشكل أدق من خلال استخدام أنظمة متطورة، كما تواصل البعثة الفرنسية من المركز الوطني للبحوث العلمية أعمالها للموسم السادس بالتنقيب في موقع العارض  الأثري بولاية عبري، لافتًا إلى أن خلال هذا الموسم يتم التركيز على مواصلة أعمال التنقيب ودراسة جميع القطع الأثرية من سبائك النحاس والأدوات الحجرية المكتشفة منذ بداية الحفريات، إلى جانب استمرار الدراسة الجيولوجية الأثرية.

وقال سعادة المهندس وكيل وزارة التراث والسياحة للتراث إن الوزارة نفذت في محافظة ظفار 8 برامج بحثية، حيث قامت البعثة الفرنسية العاملة على برنامج مسح سواحل بحر العرب بتنفيذ مسوحات وحفريات أثرية على امتداد سواحل بحر العرب في ولايتي مصيرة وصلالة، ولفهم العلاقة بين أنماط الاستيطان في الساحل والداخل نفذت البعثة مسوحات وحفريات بموقع ميتان بولاية المزيونة، كما عملت البعثة الإيطالية من جامعة بيزا  على مشروع خارطة ظفار والتنقيب في موقع  خور روري وموقع  أنضور المنطقة الغربية من ظفار، فيما نفذت الوزارة بالتعاون مع بعثات من جامعة يوتا وأهيو الأمريكيتين وجامعة لاتروب الأسترالية والمعهد التشيكي للآثار حفريات ومسوحات نتج عنها تسجيل مواقع جديدة ورسومات صخرية واكتشافات أثرية مهمة.

69e311ddb43b5.jpeg
 

وذكر سعادته أن أعمال التنقيب والمسوحات في محافظة شمال الشرقية  التي نفذتها الوزارة، شملت 5 برامج بحثية كشفت النتائج عن مؤشرات ومعلومات مهمة حول التاريخ الحضاري لسلطنة عُمان، ويعد موقع  الخشبة  من أكبر مواقع العصر الحجري الحديث مساحة في سلطنة عُمان حتى الآن، إذ يمتد على أكثر من 35 ألف متر مربع ويكشف عن استيطان بشري يعود إلى ما بين العام 5500 –4000 قبل الميلاد، مشيرًا إلى أن أعمال البعثة الأمريكية التشيكية أظهرت تتابعًا واضحًا لطبقات سكنية مع مواقد حجرية محفوظة بشكل جيد حتى الآن، إضافة إلى العثور على أصداف بحرية وخشب أشجار المنجروف التي تشير إلى صلات مبكرة مع الساحل العُماني، مضيفًا أن البعثة تواصل تنفيذ المسوحات والتنقيبات بهدف فهم أنماط المعيشة في سلطنة عُمان خلال العصر الحجري الحديث.

69e311ddb5fa4.jpeg
 

وكشف سعادته أن البعثة الألمانية من جامعة  توبنجن  تواصل أعمال المسح والتنقيب في عدة مواقع بولاية المضيبي وولاية سناو، سجلت مواقع جديدة، فيما تدرس البعثة البريطانية من جامعة  ليفربول أنظمة الري التقليدية للأفلاج في ولايتي سناو والمضيبي، بالإضافة إلى المواقع المرتبطة برصد النجوم.

وأوضح سعادته أن برنامج البعثات الأثرية في محافظة جنوب الباطنة تضمن 4 برامج بحثية معتمدة من قبل الوزارة للمحافظة، حيث نفذت بعثة مشتركة بين جامعة السلطان قابوس وجامعة  بيزا  الإيطالية أعمال تنقيب وحفاظ في موقع  الطيخة الأثري بالرستاق، وتعد منطقة  مناقي  موقعًا أثريًا بارزًا يعود إلى العصر الحديدي في سهل الباطنة، وأن موقعها المحوري على طول الطريق الرئيسي الذي يربط المواقع الداخلية بالمنطقة الساحلية من شأنه أن يكشف عن رؤى ثرية حول ديناميكيات التجارة والتفاعلات بين المواقع وأنماط التداول المميزة لفترة العصر الحديدي.

وتابع قائلاً: إن البعثة العُمانية من جامعة السلطان قابوس تواصل العمل للموسم الثاني في موقع  مناقي بولاية الرستاق من خلال استكمال أعمال التنقيب في عدد من المدافن في الموقع، كما تواصل البعثة الإيطالية من جامعة سابينزا بالتعاون مع الوزارة أعمال التنقيبات من خلال الحفريات والمسوحات المكثفة في كل من ولايات نخل والعوابي ووادي المعاول، بهدف تعزيز وتوسيع المعرفة التاريخية والثقافية للمنطقة.

وأضاف سعادته أن الوزارة بالتعاون مع البعثة التشيكية من معهد الآثار التابع للأكاديمية التشيكية للعلوم ستستكمل في الموسم القادم عمليات التنقيب في منطقة الدقم التي تتميز بثراء كبير في جميع أنواع الأدلة الأثرية  التريليث، والفنون الصخرية، والمقابر، والأصداف، وورش العمل الحجرية خاصة في منطقة نفون مشيرًا إلى أن أعمال المسوحات والتنقيبات تتضمن عمليات التنقيب وتوثيق الموقع بشكل أدق، فيما نفذت الوزارة برنامجا بحثيا مع جامعة لاتروب  الأسترالية حول مواقع العصور الحجرية القديمة في محافظة الوسطى.

69e311ddbe9bc.jpeg
 

وبين سعادته أن البعثة الأثرية الفرنسية من المركز الوطني للبحوث العلمية استكملت دراسة الاستيطان البشري القديم في موقع بسيا  الأثري في محافظة الداخلية، وهو أحد المواقع الأثرية الرئيسة في سلطنة عُمان، حيث تم تنفيذ برامج المسوحات والتنقيبات الأثرية من خلال رسم خرائط كاملة لجميع الهياكل وعمل مسح جيوفيزيائي في البرج المكتشف حديثًا وذلك لرسم خريطة للموقع بالكامل والمباني وأنظمة الري، كما نفذت البعثتين الايطالية واليابانية مسوحات وتنقيبات في بسيا  و تنوف ، بالإضافة إلى توثيق ثلاثي الأبعاد لحارات ولاية أدم.

وفي إطار توثيق وصون الشواهد الاثرية، لفت سعادته إلى أن الوزارة بالتعاون مع البعثة اليابانية من معهد البحوث الإنسانية والطبيعية اليابانية نفذت بمحافظة مسندم مسوحات أثرية سطحية، ومجسات اختبارية للتقييم والدراسة في ولايتي خصب وبخا، كما نفذت الوزارة في محافظة مسقط بالتعاون مع بعثة هولندية حفريات أثرية في موقع خور الملح بولاية قريات، حيث أظهرت أعمال المسح والتنقيب موقع يرجع إلى العصر الحجري الحديث في رابية صدفية  على خور الملح ، يضم تراكمات صدفية وخطاطيف الصيد وأثقال الشباك، ومن المتوقع أن يكشف الموقع عن مزيد من المعلومات بعد تحليل نتائج عينات الكربون 14 ودراسة القطع الاثرية المعثور عليها، ونفذت الوزارة بالتعاون مع البعثة البولندية مسحًا أثريًا في موقع أجران بولاية البريمي ويعد الموقع مهمًا لاشتماله على أنماط من الاستيطان الذي يرجع إلى العصرين البرونزي والحديدي، كما يعكس الموقع تطور المجتمعات القديمة في سلطنة عُمان.

وأكد سعادته أن برنامج المسوحات والتنقيبات الأثرية يهدف إلى جانب البحث العلمي، تأهيل الكوادر الوطنية من موظفي الوزارة وطلبة الجامعات العُمانية من خلال إشراكهم في الفرق الأثرية لاكتساب الخبرة الميدانية، كما تسعى الوزارة من خلال هذه الأعمال إلى تهيئة المواقع الأثرية لتكون مزارات ومقاصد سياحية وثقافية مستدامة.

من جانبه قال السيد نوح بن محمد البوسعيدي رئيس الجمعية التاريخية العُمانية: إن الاحتفال باليوم العالمي للتراث لهذا العام يأتي في وقت حرج للغاية، وأن التراث والثقافة يبقيان المجال الوحيد الذي يتفق عليه الجميع، لأنهما روح الإنسانيّة ونبضها الخافق، مؤكدًا على دور المؤسسات الثقافية باستمرارية تأدية دورها الإنساني وعلى رأسها منظمة الأمم المتحدة للتربية والثقافة والعلوم / اليونسكو / التي تعنى بصون وإبراز مكونات التراث والثقافة والعلوم في عالمنا الحديث.

69e311ddc4468.jpeg
 

وأشار إلى أن منظمة  اليونسكو وجدت سلطنة عُمان كنزًا ثمينًا أثرى التراث العالمي؛ إذ تم تسجيل العديد من المواقع والشخصيات العُمانية في سجل التراث العالمي، كما تتعاون المنظمة مع المدارس العُمانية لتعزيز الوعي الثقافي.

وفي سياق متصل قال المكرم محمد بن سعيد الحجري رئيس اللجنة الاجتماعية والثقافية بمجلس الدولة: إن الأمم تدرك تمامًا أن قوتها تكمن في الصلة بتاريخها بكل أشكاله، لأنه جزء أصيل من هويتها وقصة تشكل ذاتها الحضارية وتكون شعبها، ولذلك ترفض القطيعة معه، وترى أن الاتصال الوثيق به لا يحجبها عن المستقبل وهو ما يعطيها قدرًا أكبر من الوثوق والقدرة على التفاعل دون خوف.

69e311ddc48b9.jpeg
 

ويرى المكرم أن العمق التاريخي وما يُعبر عنه من عادات وفنون وسنن أو منتجات سواء مادية أو فنية كلها تفاصيل تكون صورة جامعة وهي جزء من القوة الناعمة للمجتمع، مشيرًا إلى أن كثيرًا من المجتمعات بالرغم من التحديات تحافظ على عاداتها وممارساتها التي تمثل نوعًا من الحصانة والشعور بالتميز أو الهوية الخاصة بها، فهي ليست خوفًا من التحديث أو التغيير، ولكنها التزام وتشبث بالجذور، مؤكدًا أن المجتمع العُماني كل عاداته وتقاليده ومنتجاته الفنية لها جذور ومعان مرتبطة بقيم، وبعضها يمارس في مناسبات جامعة تعبيرًا عن الذات الوطنية.

وأفاد رئيس اللجنة الاجتماعية والثقافية بمجلس الدولة أن كل جهد يبذل سواء رسميًّا أو أهليًّا أو خاصًّا يزيد من قوة المجتمع وإحساسه بعمقه الحضاري، وينبغي في هذه المرحلة بالذات أن يتضاعف، خاصة مع زيادة التحديات وتغير أشكالها وصورها، وضرورة تحصين الأسرة العُمانية والمحافظة على قيم الناشئة وحمايتهم من المؤثرات.

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z