العلاقات العُمانية الإيرانية.. قدرٌ جغرافيٌ وتواصل حضاري وواقعية سياسية

 

عُمان تنظر إلى الأحداث بعين الواقعية السياسية وتفتح قنوات اتصال فعّالة في الأزمات

السياسة العُمانية ترتكز على مبدأ التشاور لا التصادم

السلطنة ساهمت في ضبط إيقاع العلاقات الإيرانية العربية

منذ 1987 تبادر عُمان بالوساطة بين إيران وأمريكا

تنسيق عُماني إيراني لحلحلة أزمة مضيق هرمز الحالية

 

الرؤية- ناصر أبوعون

"إننا ندعو كافة دول العالم للتضافر من أجل بناء عالم تسوده قيم الإنسانية والعدالة، تُحترَم فيه مُقدّسات كل أمة وهُويتها ودينها ومعتقداتها وأخلاقها وكرامة الإنسان فيه مصانة وحقوقه مكفولة، في عالم ينشأ شبابه في توازن وانسجام بين أساسه الروحي ومتطلباته المادية" حضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم- حفظه الله ورعاه (خطاب 11 يناير 2025).

منذ سبعينيات القرن العشرين ومع توالي الأحداث السياسيّة العاصفة بالإقليم، تظل سلطنة عُمان قابضة على جمرة "الأخوة الإنسانية"، وعلى الرغم من محاولات التضييق عليها وإقصائها إلا أنّها تستعصي على المساومة، ولا تقفز فوق سياج قدر الجغرافيا. ومع وقوع البعض من دول الإقليم في شَرَك الاستقطاب، والانخراط في مستنقعات الصراع المصنوعة على الأعين الطامعة في ثروات الإقليم، إلا أنّ عُمان تنظر بعين الواقعيّة السياسيّة، وتترك الأبواب مفتوحة وقنوات الاتصال فاعلة؛ والمواقف خير شاهد؛ وأبعد هذه المواقف تاريخيا علاقتها الاستراتيجية مع مصر بعد التوقيع على معاهدة كامب ديفيد؛ إذ حرصت على مواصلة رأب الصدع، والمقاربة بين وجهات النظر، حتى عادت مصر إلى الجامعة العربية، وعندما سحبت بعض دول الإقليم سفراءها من لبنان فتحت السفارة العُمانية أبوابها في بيروت للمواطنين الخليجيين والساسة اللبنانين لاحتواء الأزمة.

وعشيّة انطلاق "عاصفة الحزم" في 25 مارس 2015 على اليمن رفضت عُمان الانضمام، وأبقت على قنوات الاتصال التي استفاد منها التحالف لاحقًا على مسارات متعددة. وخلال الأزمة الخليجية مع قطر، أبقت عُمان على أواصر القربى ووشائج الدم وخطوط التواصل حتى عاد الجميع إلى كلمة سواء.

فلسفة السياسة الخارجية

في إدارة العلاقات الدولية والسياسات الخارجية بين البُلدان، هناك نظريتان تسودان في الساحة الدوليّة؛ أمّا النظريّة الأولى فتعتمد سياسة (النمط الصراعيّ/ ثنائية الأوجه)؛ وهو نمط تنافسيّ صداميّ، وأمَّا النظرية الأخرى فتتمثل في: (النمط التعاونيّ)؛ وهو المفهوم الأكثر واقعيّة في العلاقات الدولية، وهذا النهج تتبناه سلطنة عُمان وهو السائد لديها من منطلق تقديراتها وحساباتها البرجماتيّة. والسياسة الخارجية العُمانيّة – وفق هذه النظرية- ترى أنّ المشاركة الفعَّالة في صناعة القرارات المؤثرة في المجتمع الدوليّ؛ سيتيح لها إعادة صياغة علاقاتها الدولية من منظور تحقيق المصالح الوطنيّة، وسينتج عنه مكاسب لاحصر لها؛ من أهمها: حماية هُويّتها الثقافيّة، وصون حدودها السياسيّة والجغرافية، وحماية أمنها القوميّ، وتمتين الشَّراكات الإقليمية والدوليّة؛ بُغية تحقيق تنمية مستدامة، ستؤدي في نهاية المطاف إلى تحقيق أعلى درجات الاستقرار، وجذب استثمارات نظيفة.

ومن هذا المنطلق، فإن سلطنة عُمان لم تتوانى في دعم القضايا العادلة إقليميا وعربيا ودوليا وكانت سبَّاقة بواجبها سواء اقتضى ذلك التأييد المادي أو المعنوي أو ممارسة الجهود الحثيثة والمساعي الحميدة أو طلب ممارسة النفوذ من قبل الأصدقاء إن دعت الضرورة، وبهذا تمكنت السياسة الخارجيّة العُمانية من تحقيق إنجازات كبرى  انطلاقًا من سبعة معايير تتخذها وزارة الخارجية والدبلوماسيين العُمانيين دستورًا دبلوماسيًّا للتحرك على المستوى الدولي والانفتاح على الآخر؛ وهي مصاغة على النحو التالي: (1) انتهاج سياسة حسن الجوار وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للغير، (2) احترام القوانين والأعراف الدولية، (3) تدعيم العلاقات مع الدول العربية والوقوف إلى جانب القضايا التي تهم العالم العربي، (4) دعم التعاون الإسلامي، (5) الوقوف إلى جانب القضايا الأفريقية العادلة، (6) انتهاج سياسة عدم الانحياز، (7) إقامة علاقات وديّة مع كل الدول الصديقة.

التوازن مع إيران والعالم

وخلافًا لسياسة الإقصاء وإبقاء العلاقات على سطح صفيح ساخن من التوترات التي لا تنتهي، تنتهج سلطنة عُمان رزنامة من المباديء داخل المجتمع الدوليّ وخاصةً مع الجار الحضاريّ إيران؛ فقد كشفت مواقفها اعتمادها على مبدأ التعاون على سائر الأصعدة بديلًا عن المنافسة، وترتكز على سياسة التشاور لا التصادم، وتبادل المنافع عوضًا عن المقاطعة؛ لنكتشف في نهاية المطاف أنّ عُمان تُدير علاقاتها الدوليّة بوجه عام وِفْقَ "منهج التحليل في إطار التوازن" باعتباره دعامة تحفظ لها استقلالها. أمَّا على صعيد العلاقات التاريخية والثنائية (العُمانية الإيرانية) فقد نجح هذا المنهج في التوصل إلى العديد من النتائج الاستراتيجية وأوجد حالة استثنائية في العلاقات الدولية.

نتائج سياسة التوازن العُمانية

منذ 26 أغسطس 1971م وهو تاريخ بدء العلاقات العُمانية الإيرانيّة رسميًّا، واعتماد سلطنة عُمان مبدأ التوازن في إدارة علاقاتها دوليا وخليجيًّا استطاعت تحقيق العديد من أهمها:

أولا - على المسار السياسيّ: (1) ضبطت عُمان إيقاع العلاقات الإيرانية وعدد من دول المنطقة والتي أدت إلى التهدئة والمزيد من الثقة بين الجانبين وإعادة فتح قنوات الحوار والتواصل بين العرب والإيرانيين. (2) دعت عُمان إلى قيام (تفاهم أميركي- إيراني) ضمانةً لأمن الخليج وحماية المصالح الأميركية وتحقق واقعيا بتوقيع الاتفاق النووي في 2015. (3) رفضت عُمان رسميا المشاركة في مشروع (مظلة الدفاع الأميركية) لحماية أمن الخليج.  (4) نأت عُمان عن كل أشكال المواجهات السياسية والإعلامية مع إيران، والتزمت سياسة التهدئة. (5) تبنت عُمان طرح (اتفاقية للتجارة الحرة) للتعاون بين دول الخليج وإيران، وابتعدت عن سياسة المحاور والاستقطاب. (6) حثت عُمان الأميركيين على التأني في قراراتهم والتفحص الدقيق في عدم المضي قدما وراء مطالبات بعض زعماء العالم بشن حرب على إيران -طبقا لتسريبات وثائق ويكيليكس الأخيرة التي نشرتها عدة صحف عالمية ضمن أكثر من ربع مليون وثيقة سرية صادرة عن السفارات الأميركية حول العالم- لكن مع مجيء ترامب إلى البيت الأبيض نسف الاتفاق النوويّ وخضع لشروط نتنياهو وخاضا معًا حربا مشتركة على الجمهورية الإيرانية مازالت يتصاعد دخانها في الآفاق.

ثانيًا – على المسار الاقتصاديّ (1) رَسَخَت العلاقات (العُمانية الإيرانية) بزيارات على جميع المستويات (زعماء، ولجان مشتركة، وتوقيع اتفاقيات تجاريّة، وتعاون لوجستي). (2) اشتركت عُمان في مشروع استثمار (حقل غاز كيش) الإيراني، الذي يحتوي على احتياطي قدره (48) تريليون قدم مكعبة من الغاز الطبيعي. (3) على الرغم من المقاطعة الاقتصادية التي تمارسها أمريكا ومعسكرها فقد بلغ حجم التبادل التجاري بين عُمان وإيران 1.153 مليار دولار في 2025، بنمو 11% مقارنة بنفس الفترة من عام 2024، حسب بيانات رسمية. (4) وقعت مع الجانب الإيراني (اتفاقية للتعاون الأمني) عام 2009 من ضمن سبع اتفاقيات في مجالات أخرى، وفي 2025م تمّ توقيع 5 اتفاقيات و10 مذكرات تفاهم و3 برامج تنفيذية.

الوساطة العُمانية بين إيران والخليج

تنظر عُمان إلى إيران بعين تاريخية وعين حضاريّة، وقوة إقليميّة استثناؤها أو إقصاؤها سيجر عواقب وخيمة، ومن الأجدى التعاون معها في إطار ثلاثة مباديء رئيسة؛ هي: (الحياد الإيجابي) في إطار القيم الحضاريّة ومقتضيات القانون الدولي والعدالة الإنسانيّة، و(الحوار) المتزن القائم على قبول الآخر والالتزام بالأعراف والشرائع المتعارف عليها، و(الوساطة) القائمة على التقريب بين النظريات والساسيات والمصالح من أجل إعلاء القيم الإنسانيّة والتعاون بين الشعوب، ونبذ الاستقطاب، ورفض الصدام.

وحسب ما جاء في "مذكرات علي أكبر هاشمي رفسنجاني" فإنّ العُمانيين هم أول من أخذ زمام المبادرة وعرض القيام بالوساطة بين الأمريكيين والإيرانيين سنة 1987م. وبعد مضي 22 عامًا تقريبًا تحدث الأمريكيون في حقبة باراك أوباما مع السلطان قابوس ليتوسط لدى الإيرانيين ويقنعهم باستئناف المفاوضات حول الملف النووي سنة 2009م، وعلى مدار 6 سنوات كاملة قامت سلطنة عُمان بدور الوسيط بين الجانبين الإيراني والأمريكيّ وتمكّنت من تذليل العقبات التي مهدت للتوقيع على الاتفاق حول الملف النووي الإيراني (5+1) عام 2015م، وبعد قيام الرئيس ترامب والذي ألغى الاتفاق بطريقة استعراضية أمام وسائل الإعلام بضغوط من اللوبي الصهيونيّ وبتحريض من بنيامين نتنياهو تمكّنت عُمان من إعادة الطرفين إلى طاولة المفاوضات سواء في مسقط أو في قلب سفارتها في جينيف واقترب الطرفان من تحقيق تقدم ملموس والتوصل لاتفاق جديد وجدت إيران نفسها فجأة تحت جحيم المقاتلات الأمريكية والإسرائيلية بدون سابق إنذار.

افتتاح مضيق هرمز للملاحة

لا يمكن لأي منصف أن ينسف تاريخا طويلا من العلاقات الحضاريّة تدعمه عوامل جيوسياسية ومصالح مشتركة وجوار صنعته الجغرافيا عبر مضيق هرمز وبامتداد 1000 ميل بحريّ، في شماله تقع إيران وفي جنوبه تقبع سلطنة عُمان، وكلاهما يحرسان الخطوط الملاحية بين البلدين في مسافة لا تزيد عن 21 ميلاً بحريًّا. ولضمان حركة ملاحة آمنة يبدو أن الجارين الحضاريين وعبر "لجنة التشاور الإستراتيجي بين سلطنة عُمان والجمهورية الإسلامية الإيرانية" سيوقعّان قريبًا على اتفاق مباديء بشأن إدارة مضيق هرمز. ومن ثَمَّ فإنّ العلاقات بين البلدين قَدَرٌ جغرافيٌّ لا يمكن الفِكاك منه وليس خيارًا.

وأخيرًا وفي هذا المقام، من الضروري أن نتذكر تغريدة وزير الخارجية الإيراني السابق، محمد جواد ظريف عندما كتب على منصة تويتر إكس في 24 ديسمبر سنة 2019 "كانت ولاتزال إيران وعُمان دولتين جارتين تربطهما علاقات حميمة جِدًا، وسنبقى دائما إلى جانب سلطنة عُمان". وأنهى جواد ظريف التغريدة بـ"هاشتاج"عن السلطنة (#دولة_راسخة_شعب_قوي).

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z