تحليل: كيف تهدد الأزمة الإقليمية خارطة الرياضة قبل مونديال 2026؟

الرؤية- أحمد السلماني

لم تعد الرياضة اليوم بمنأى عن التحولات السياسية والعسكرية التي تعصف بالمناطق المختلفة من العالم، فكلما اتسعت رقعة النزاعات، امتد تأثيرها إلى الملاعب والصالات والمنشآت الرياضية.

ومع تصاعد المواجهة العسكرية بين إيران من جهة والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، بدأت انعكاسات هذا الصراع تتسلل تدريجيا إلى المشهد الرياضي الدولي، لتضع الرياضة عامة وكرة القدم بشكل خاص أمام اختبار جديد، في وقت يتهيأ فيه العالم لانطلاق واحدة من أكبر النسخ في تاريخ كأس العالم عام 2026، التي ستستضيفها الولايات المتحدة وكندا والمكسيك بمشاركة 48 منتخبا.

الرياضة عبر التاريخ كانت دائما مرآة تعكس حالة الاستقرار أو التوتر في العالم. فعندما تشتعل الحروب تتغير الأولويات وتتحول الموارد والاهتمامات من الاستثمار في الرياضة إلى إدارة الأزمات والصراعات، وهو ما ينعكس مباشرة على النشاط الرياضي من حيث التنظيم والاستمرارية والتمويل وحتى سلامة اللاعبين والجماهير. وفي ظل التصعيد العسكري الحالي، باتت العديد من المسابقات في المنطقة تواجه حالة من الارتباك التنظيمي والتأجيلات المتكررة، في ظل مخاوف أمنية وتعقيدات لوجستية تتعلق بالسفر وحركة الطيران وتنقل الفرق والمنتخبات.

وقد بدأت كرة القدم الآسيوية تشعر بثقل هذه الأزمة مبكرا، إذ تأثرت مسابقات الأندية القارية بتأجيل عدد من المباريات في منطقة غرب آسيا ضمن بطولات الاتحاد الآسيوي، في محاولة لتفادي المخاطر المرتبطة بالتوترات العسكرية المتصاعدة في المنطقة. كما أن عددا من الدوريات المحلية في المنطقة الخليجية وبعض دول الشرق الأوسط واجه حالة من الارتباك التنظيمي نتيجة صعوبة التنقل وإغلاق بعض المجالات الجوية، ما انعكس على جدول المباريات وبرامج إعداد الفرق.

ولا يقتصر تأثير هذه التطورات على المسابقات المحلية أو القارية فقط، بل يمتد إلى البطولات الإقليمية كذلك، إذ تواجه البطولة الخليجية للأندية أبطال الدوري حالة من الغموض بشأن مواعيدها المستقبلية في ظل الظروف السياسية والأمنية الراهنة، الأمر الذي يضع المنظمين أمام تحديات كبيرة للحفاظ على استمرارية المنافسات الرياضية في بيئة غير مستقرة.

أما التأثير الأكثر حساسية فيتعلق بكأس العالم 2026، التي ستقام في الولايات المتحدة الأمريكية وكندا والمكسيك. فمع تصاعد الأزمة، برزت تقارير تتحدث عن احتمال انسحاب المنتخب الإيراني من البطولة في حال استمرت التوترات مع الولايات المتحدة، وهو سيناريو قد يضع الاتحاد الدولي لكرة القدم “فيفا” أمام معضلة تنظيمية وقانونية غير مسبوقة.

وفي حال حدوث هذا السيناريو، فإن باب التكهنات سيفتح حول المنتخب الذي قد يعوض إيران في النهائيات. وتشير بعض التحليلات إلى إمكانية منح الفرصة للمنتخب العراقي، الذي يستعد لخوض الملحق العالمي عن قارة آسيا أمام الفائز من مواجهة بوليفيا وسورينام، فيما يبرز المنتخب الإماراتي كخيار آخر محتمل بعد حلوله ثالثا في مجموعته الآسيوية التي ضمت إيران أيضا. ومع ذلك، تبقى هذه السيناريوهات رهينة قرارات الاتحاد الدولي ولوائح البطولة في حال حدوث أي انسحاب رسمي.

من ناحية أخرى، لا تقتصر تداعيات الحرب على الجانب التنظيمي للبطولات فحسب، بل تمتد إلى البنية التحتية الرياضية في الدول المتأثرة بالصراع. فالحروب عادة ما تفرض ضغوطا اقتصادية هائلة على الدول، ما يؤدي إلى تقليص الإنفاق على المشاريع الرياضية وتأجيل خطط تطوير الملاعب والمنشآت التدريبية، إضافة إلى التأثير المباشر على برامج اكتشاف المواهب وتطوير الفئات السنية.

كما أن استمرار الصراع لفترة طويلة قد يؤدي إلى هجرة بعض الكفاءات الرياضية واللاعبين إلى دول أكثر استقرارا، وهو ما يؤثر بدوره على مستوى المنافسة في الدوريات المحلية وعلى مستقبل الرياضة في تلك البلدان.

وفي ظل هذه المعطيات، تبدو الرياضة مرة أخرى رهينة للواقع السياسي والعسكري الذي يفرض إيقاعه على مختلف مفاصل الحياة. فبينما تستعد الملاعب لاستقبال جماهير العالم في مونديال 2026، يبقى السؤال مطروحا: هل ستتمكن كرة القدم من الحفاظ على رسالتها كجسر للتواصل بين الشعوب، أم أن أصداء الحرب ستظل تتردد حتى في المدرجات؟

فالرياضة، رغم قدرتها الكبيرة على توحيد الشعوب، تظل جزءا من العالم الذي تعيش فيه، تتأثر بأحداثه وتنعكس عليها تقلباته. وفي زمن الأزمات الكبرى، تصبح الملاعب أحيانا شاهدا صامتا على صراعات تتجاوز حدود الخطوط البيضاء بكثير.

 

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z