◄ عودة إمدادات الطاقة إلى طبيعتها تسهم في التراجع السريع لأسعار النفط
◄ استمرار الحرب وغلق مضيق هرمز عاملان أساسيان في تحديد اتجاهات الأسعار
◄ آلية تسعير النفط العُماني تعتمد على متوسط السعر اليومي خلال شهر كامل
◄ استمرار الحرب قد يدفع الدول المنتجة إلى إغلاق الآبار أو تقليص الإنتاج
الرؤية- سارة العبرية
أكد علي بن عبدالله الريامي، خبير الطاقة والمدير العام السابق لتسويق النفط والغاز بوزارة الطاقة والمعادن، أنَّ السيناريوهات المُحتملة لأسعار النفط خلال الأشهر الثلاثة المُقبلة وفي ظل استمرار الحرب الأمريكية- الإسرائيلية على إيران والتوترات المرتبطة بمضيق هرمز والهجمات الإيرانية على دول الخليج، تسير نحو موجة صعود جديدة، رغم التطمينات التي صدرت من الإدارة الأمريكية بشأن توفر الإمدادات في الأسواق العالمية.
وقال -في تصريحات لـ"الرؤية- إنَّ الأيام الأولى للحرب شهدت ارتفاعات متسارعة في الأسعار؛ حيث تجاوز سعر النفط العُماني مستوى 120 ثم قفز يوم الجمعة الماضي إلى 144 دولارًا للبرميل، بينما ارتفع سعر خام برنت من مستويات تراوحت بين 60 و65 دولارًا للبرميل ليقفز إلى نحو 110 دولارات، في ظل المخاوف المُرتبطة باستمرار إغلاق مضيق هرمز وتعطل الإمدادات القادمة من منطقة الخليج.
وأشار الريامي إلى أنَّ استمرار الحرب لفترة أطول قد يقود الاقتصاد العالمي إلى مزيج من التضخم والركود، وهو سيناريو تحاول الدول الكبرى تجنبه قدر الإمكان، مؤكدا أنَّ اتجاه الأسعار في المرحلة المُقبلة سيظل مرتبطا بعاملين رئيسيين: استمرار الحرب، واستمرار إغلاق مضيق هرمز، فإذا انتهت الحرب وعادت حركة الإمدادات إلى طبيعتها، فمن المُرجح أن تشهد الأسواق تراجعا سريعا في أسعار النفط.
وقال الريامي "إن آلية تسعير النفط العُماني تعتمد على متوسط السعر اليومي خلال شهر كامل؛ حيث تقوم بورصة دبي للطاقة في نهاية كل شهر بحساب متوسط الأسعار اليومية للخام العُماني خلال ذلك الشهر، ومن ثم إعلان السعر الرسمي الذي يُعتمد مرجعًا للبيع في الفترة اللاحقة".
وأوضح أن الأسعار التي تُرصد يوميا خلال الشهر ليست السعر النهائي، وإنما تدخل ضمن عملية حساب المتوسط الشهري؛ حيث يُعلن السعر الرسمي في نهاية الشهر ليكون أساسًا لتسعير النفط العُماني بعد شهرين، فمثلًا، إذا تم احتساب الأسعار خلال شهر مارس، فإن متوسط هذه الأسعار سيكون هو السعر المعتمد لبيع نفط عُمان في شهر مايو. ويُعد هذا السعر مرجعًا للصفقات طويلة الأجل، كما يمكن استخدامه في بعض عمليات الشراء الفوري في السوق.
وذكر أن أهمية مضيق هرمز تنبع من كونه أحد أهم الممرات الاستراتيجية للطاقة في العالم؛ حيث يمر عبره ما يقارب 20 إلى 22% من إمدادات النفط العالمية، إضافة إلى نحو 20% من تجارة الغاز الطبيعي، ولذلك فإن أي تهديد لإمدادات الطاقة عبر هذا المضيق ينعكس مُباشرة على الأسعار العالمية من خلال ارتفاع علاوة المخاطر في السوق، مشيرا إلى أن بعض الدول الخليجية المنتجة للطاقة بدأت اتخاذ إجراءات احترازية مع تصاعد التوترات في المنطقة واحتمالات تعطل الإمدادات عبر مضيق هرمز، حيث بادرت دولة قطر في بداية الأزمة إلى إيقاف بعض عمليات الغاز الطبيعي المسال والبتروكيماويات، فيما اتجهت العراق إلى خفض إنتاجها النفطي وإغلاق عدد من الحقول، كما أعلنت دولة الكويت تقليص الإنتاج وإغلاق بعض الحقول النفطية.
وأضاف الريامي أن هذه الإجراءات امتدت كذلك إلى المملكة العربية السعودية التي خفّضت الإنتاج تحسبًا لامتلاء الخزانات النفطية في حال تعطل الصادرات، في حين قامت الإمارات العربية المتحدة بخفض الإنتاج للسبب ذاته، وأكد أن هذه الخطوات تُعد إجراءات احترازية تلجأ إليها الدول المنتجة عندما تواجه صعوبات في التصدير أو محدودية في قدرات التخزين، بهدف تفادي تراكم كميات كبيرة من النفط داخل الخزانات المحلية.
وبين علي بن عبدالله الريامي أن الأكثر خطورة يتمثل في احتمال عدم القدرة على التصدير لفترة طويلة في حال استمرار إغلاق مضيق هرمز، وهو ما قد يدفع الدول المنتجة إلى إغلاق الآبار أو تقليص الإنتاج بشكل كبير، لافتا إلى أن إعادة تشغيل الحقول بعد إغلاقها قد تستغرق وقتًا طويلًا، وقد تترتب عليها تحديات فنية وتكاليف مالية كبيرة؛ بل وقد يؤدي بعضها إلى فقدان جزء من القدرة الإنتاجية للحقل، ما يستدعي حفر آبار جديدة مستقبلاً.
وأشار إلى أن الأسواق عادة ما تتفاعل مع الوقائع الميدانية أكثر من التصريحات السياسية، موضحًا أن أي تعطّل فعلي للإمدادات القادمة من الخليج -والتي تمثل نحو خمس الإمدادات العالمية- لن يكون من السهل تعويضه سريعا، إلا من خلال السحب من المخزونات الاستراتيجية في دول مثل الولايات المتحدة واليابان وكوريا الجنوبية وبريطانيا، مؤكدا أن هذه الحلول تظل مؤقتة؛ نظرًا لمحدودية حجم هذه المخزونات التي قد تكفي لفترة شهر أو شهرين فقط.
وفي السياق ذاته، قال الريامي "إن بعض الدول الآسيوية بدأت بالفعل اتخاذ إجراءات احترازية؛ حيث اتجهت دول مثل تايلاند وفيتنام إلى تقليص الحركة المرورية بهدف الحفاظ على مخزونات المشتقات النفطية، وهناك توجهات مشابهة في إندونيسيا وماليزيا، بينما تمتلك دول أخرى مثل الصين واليابان وكوريا الجنوبية مخزونات استراتيجية أكبر تمكنها من الاستمرار في تلبية الطلب لفترة أطول نسبيا".
ومع ذلك، لفت الريامي إلى أن حجم الطلب في الصين -التي يتجاوز عدد سكانها مليار نسمة- يجعل استمرار الحرب وانقطاع الإمدادات لفترة طويلة عاملا ضاغطا على السوق، ما قد يدفع هذه الدول إلى البحث عن مصادر بديلة للطاقة أو تقليص استهلاك المشتقات النفطية وإعادة تنظيم تشغيل المصافي.
|
وفي جانب المؤشرات التي ينبغي مراقبتها يوميًا لتقييم اتجاه السوق، سواء ما يتعلق بالمخزونات أو حركة الشحن أو التصريحات السياسية وغيرها، يوضح الريامي أن المخزونات الاستراتيجية في الدول المتقدمة تُعد من أهم المؤشرات التي ينبغي متابعتها لفهم توجهات هذه الدول حيال أسعار النفط، كما يشير إلى ضرورة متابعة تطورات الحرب ومستويات التصعيد، ولا سيما في حال وقوع أي استهداف لمنشآت النفط أو المصافي أو الخزانات أو مصادر الإنتاج في إيران أو دول الخليج؛ إذ ينبغي أخذ هذه التطورات في الحسبان عند قراءة المؤشرات التي قد تعطي انطباعا عن اتجاه الأسعار. ويضيف أن تحركات البورصات الخليجية قد تقدم أيضا إشارات مرتبطة باتجاهات أسواق النفط، إضافة إلى التصريحات السياسية خصوصا الصادرة عن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، والتي ينبغي أخذها بعين الاعتبار لما قد تتركه من أثر في حركة أسعار النفط. |
