عمر بن قاسم السالمي
ليست عُمان اليوم في أزمة موارد، بل في لحظة وعي تاريخية؛ فالدول- كما علّمنا ابن خلدون- لا تنهار فجأة، ولا تتجدد صدفة، بل تمرّ بدورات: قيام، فازدهار، فركود، ثم لحظة فاصلة إمّا أن تُعيد فيها بناء نفسها أو تبدأ في التآكل من الداخل. وما نعيشه اليوم هو هذه اللحظة بعينها.
لقد أنجزت الدولة العُمانية الحديثة مشروعًا كبيرًا خلال نصف قرن: بناء الاستقرار، ترسيخ الوحدة، نشر التعليم، إقامة البنية الأساسية، وتأمين حياة كريمة للمواطن. هذه ليست مرحلة يمكن إنكارها أو التقليل من شأنها؛ فهي الأساس الذي يقف عليه التحول الحالي. لكن التاريخ يقول بوضوح إن الدول التي تكتفي بما أنجزته تموت ببطء. فالنجاح إذا لم يتحول إلى قدرة إنتاج يصبح عبئًا، كما أن الرخاء إذا طال يولّد الاتكال.
وهنا تبدأ المفارقة العميقة؛ إذ نشأ المجتمع في ظل دولة ريعية ممولة بالنفط، تضمن الوظيفة وتوفر الدعم وتخفف عن الفرد عبء المخاطرة. كان ذلك ضروريًا لبناء الاستقرار، لكنه لم يكن كافيًا لبناء اقتصاد قادر على المنافسة في عالم متغير. ومع تقلّب أسواق الطاقة وتحوّل الاقتصاد العالمي، ظهر أن النموذج القديم لم يعد صالحًا للاستمرار.
ولهذا جاءت الإصلاحات الحالية: ضبط الإنفاق، وإعادة هيكلة الدعم، وفتح الاقتصاد، وتعزيز دور القطاع الخاص، وتحويل المواطن من متلقٍ إلى شريك. هذه ليست إجراءات تقنية، بل تحوّل في فلسفة الدولة نفسها: من منطق التوزيع إلى منطق الإنتاج، ومن الرعاية إلى الشراكة.
لكن التحول الحقيقي لا يسير في خط مستقيم؛ فبعض الناس يلمس ثماره مبكرًا، وبعضهم يتأخر عنه، كما يحدث في كل تجربة إصلاح كبرى في العالم. وما يبدو ارتباكًا في الحاضر هو في الحقيقة مرحلة طبيعية بين نموذج انتهى وآخر لم يكتمل بعد.
ما يُحصَّل اليوم لا يُنفق على الترف؛ بل على إنقاذ الأساس: ميزانية يجب أن تتوازن، واقتصاد يجب أن يقوى، وسوق عمل يجب أن يتحرر من وهم الاعتماد الدائم. وهذا ما يجعل الطريق يبدو شاقًا، رغم أنه يقود إلى أفق أوسع.
وفي هذه اللحظة لا ينفع التجميل، ولا يفيد إنكار الألم. ما ينفع هو الصراحة: نحن ننتقل من زمن سهل إلى زمن مسؤول، ومن ضمان جامد إلى فرصة متحركة، ومن انتظار إلى مبادرة. لكننا لا نسير نحو ما هو أقسى، بل نحو ما هو أجمل: نحو دولة تبني ثروتها بعمل أبنائها، ومجتمع يصنع مكانه في العالم بدل أن ينتظره.
هذه هي معركة عُمان اليوم: ليست معركة سلطة أو سياسات؛ بل معركة وعي بين ماضٍ صنع الاستقرار، ومستقبل لا يقبل إلّا من يصنع القيمة. ومن يدرك طبيعة هذه اللحظة، يعرف أن ما يجري ليس تضييقًا؛ بل إعادة ولادة لدولة تستعد لعصر جديد.
