ناصر أبوعون
يظل رمضان موئل الذكريات، وحافظة التاريخ العُمانيّ بوجه خاص، والعربيّ بوجه عام، ولا يزال العُمانيون إلى يومنا هذا يعتزوّن بالتقويم الهجريّ يؤرخون به أحداثهم، وينظمُون على شهوره يوميّاتهم، وينسبون إلى شهوره وأيامه مواليد عظمائهم وسادتهم، ويسبقون بالميلاديّ إرثًا وتقليدًا صارًا عُمانيًّا خالصًا، فهُم بيضة الإسلام وشأفته، يستمسكون بدينهم ولا يفرّطون في تاريخهم، ويرونه تراثهم الذي لا يزول وجوده، ولا يرضون الدنيّة فيه؛ وأخذوا منه سمتهم في ملابسهم وسمات شخصياتهم، أُباةٌ لا ينال الزمان من هيبتهم، وبيض القلوب قبل الملابس، لا يضرهم من خالفهم أو خذلهم، السماحة زادهم الذي لا ينفد، والقيم ماءهم الذي لا ينضب، والرزانة بضاعتهم التي لا تفسد، مسالمون ولا يستعلون بقوتهم، ومسلمون لا يرضون الدنية في عقيدتهم، ومؤمنون لا يضرهم من خذلهم أو خالفهم.

وفي هذه الإطلالة كل يوم نتذكر سويًا سراجًا لا تخبو شعلته من التاريخ العُماني، ونطوف في خارطة الزمان والمكان لنكتشف قبسًا من نور حضارته، ونتمثل برجالهم ونسائهم قدوةً لا يمَّحي أثرها، ولا تنطفئ مصابيحها..
مبايعة الجُلَنْدَى بن مسعود بن جَيْفَر بالإمامة في رمضان
بويع الإمام الجلندى بن مسعود إمامًا مُهابًا في شهر رمضان عام 132 من الهجرة النبويّة؛ وفق التنظيم السياسي والدينيّ الشوريّ الذي وضعه أهل الحل والعقد في هذا الزمان، الذين يولّون عليهم وفق مبدأ الاختيار الذي يرى في (الأكفأ عدْلًا وعلمًا)، وهو الأولى في عقيدتهم باعتلاء سُدّة الحكم. وقد شهدت عُمان في عهد الجلندى حالة من الاستقلالِ السياسيّ النسبيّ عن مراكزِ الخلافة العباسيّة، غيرَ أنَّ هذا الاستقلالَ لم يَدُم طويلًا، وقد جاءت إمامة الإمام الجلندى جامعة بين الدين والسياسة، وملتزمة بشروط العدل وأحكام الشريعة، ودام حكمه عامين اثنين في الفترة ما بين (132-134هـ / 749-751م)، وذلك على إثر صِدامٍ مع الخلافة العباسية، وقد شهدت عُمان في عهده حالة من الاستقلال السياسيِّ النسبيِّ عن مراكزِ الخلافة، وبعده واجهت الإمامة الإباضية حملة عسكريةً عباسية بقيادة خازم بن خزيمة، انتهت بسقوطِ الإمامةِ واستشهادِ الإمامِ الجُلَنْدَى سنةَ 134هـ.
وفاة السلطان تركي بن سعيد البوسعيدي في رمضان 1888م
يُعد السلطان السلطان تركي بن سعيد بن سلطان بن أحمد بن سعيد البوسعيدي من الحكام البارزين في تاريخ سلطنة عُمان الحديث، وقد ارتقى سُدّة الحكم في الفترة بين (1871 - 1888م)، في مرحلة كانت فيها الدولة العُمانية تواجه تحديات داخلية وخارجية، وتتطلب توطيد السلطة وبناء علاقات دبلوماسية وتجارية مع الدول الأوروبية. بعد حكم دام سبعة عشر عامًا قضى السلطان تركي بن سعيد نحبه وصعدت روحه إلى ربه في الرابع والعشرين من رمضان سنة 1305هـ، الموافق الثالث من شهر يونيو سنة 1888م. صعد السلطان تركي بن سعيد إلى سُدّة الحكم بعد وفاة والده السلطان سعيد بن سلطان، وكانت الإمبراطورية العُمانية آنذاك منقسمة بين عُمان والساحل الشرقي لأفريقيا وزنجبار، ورغم التحديات. حافظ السلطان تركي على علاقة طيبة مع أخيه السلطان برغش بن سعيد حاكم زنجبار، وهو ما كاد أن يثمر عن إعادة توحيد شطري الإمبراطورية العُمانية، إلا أن الظروف السياسية والإقليمية حالت دون تحقيق الوحدة الكاملة بين عُمان وزنجبار. وقد شهد عهد السلطان تركي تطور العلاقات العُمانية الهولندية، حيث تم توقيع إعلان تجاري بين الدولتين سنة 1877م، مما ساهم في توسيع رقعة التجارة البحرية، وتعزيز النفوذ العُماني في المحيط الهندي وخليج عُمان، وإضفاء مزيد من الشرعية الدولية على الدولة العُمانية.
وفاة البطاشي شيخ المحققين العُمانيين في رمضان
في الثالث والعشرين من رمضان، سنة 1347 للهجرة الموافق الخامس من مارس عام 1929م، أبصر النور الشيخ سيف البطاشي في قرية إحدى بـ(شرقية عُمان)، فقد نشأ في بيئةٍ كان فيها العلم هو الزاد، والقرآن هو البداية، والسؤال هو الطريق. وفي مطلع شبابه، هاجر إلى شرق أفريقيا، ليس طلبًا للمال، ولا بحثًا عن تجارة، بل بحثًا عن كنوزٍ لا تصدأ: الكتب والمخطوطات. وصل الشيخ القاضي سيف البطاشي إلى زنجبار في السادس عشر من شهر ربيع الآخر 1370هـ الموافق 23 يناير 1951م، موثقًا وصوله برسالةٍ بخط يده لا تزال شاهدةً على بداية رحلة علمية فريدة. وهناك عمل ليتكسّب من يده لشتري الكتب، ويجمع نفائس المخطوطات مثل: (شرح النيل، تاج العروس، شرح القاموس)، وبعد أربع سنوات، عاد إلى عُمان عام 1955م محملًا بالعلم لا بالبضائع، ولم يكن الشيخ سيف البطاشي مقلدًا، بل باحثًا، مناقشًا، مراسلًا للعلماء، حيث أرسل المسائل، وناقش الآراء، وأحيانًا كان يجيب قبل أن يُسأل، بتواضع العالم وثقة الباحث. ومن أقدم أسئلته الموثقة تعود إلى العاشر من شهر المحرم عام 1375هـ، وكانت تلك الفترة نواة مسيرته الفقهية العميقة، واحتفظ بالكثير من المراسلات، لأنه كان يعلم: (أن العلم تاريخ، وأن السؤال وثيقة)، وبعد عودته إلى الوطن، تولّى القضاء في ولايات عدة؛ نذكر منها: (ضنك، ودما والطائيين، وجعلان بني بو حسن، وبوشر، وإبراء، وقريات، والسيب). فقد كان قاضيًا يحكم بالعلم، ويزن الأمور بالتاريخ، ويجمع بين النص والواقع، ثم عمل في وزارة التراث القومي والثقافة فاشتغل بتصحيح المخطوطات، ومراجعة المطبوعات، ثم انتقل بعدها إلى ديوان البلاط السلطاني في مكتب المستشار الخاص للشؤون الدينية والتاريخية، وظل طوال حياته قريبًا من الكتاب حتى آخر الطريق. وقد خلّف الشيخ سيف البطاشي مؤلفاتٍ راسخة، نذكر منها: (إرشاد السائل إلى معرفة الأوائل)، و(تاريخ المهلب القائد وآل المهلب)، و(إتحاف الأعيان في تاريخ بعض علماء عُمان)، و(الطالع السعيد في تاريخ الإمام أحمد بن سعيد)، و(إيقاظ الوسنان وفتح الرحمن في جوابات الشيخ سلطان البطاشي) وهذه الكتب لم تؤرخ أشخاصًا فحسب، بل حفظت ذاكرة وطن. وفي صباح يوم الخميس، 28 جمادى الأولى 1420هـ الموافق 9 سبتمبر 1999م، ترجل الشيخ سيف البطاشي عن الدنيا، لكن أثره… ما زال حيًا بين السطور.
وفاة السلطان ثويني بن سعيد آل بوسعيدي في 27 رمضان 1282هـ
وُلد ثويني بن سعيد عام 1821م في عُمان، وهو الابن الثالث للسلطان سعيد بن سلطان آل بوسعيدي، الذي كان يحكم إمبراطورية واسعة تشمل عُمان وأجزاء كبيرة من شرق أفريقيا، وخاصة زنجبار، ثم توفي في الحادي عشر من فبراير 1866م (الموافق 27 رمضان 1282هـ) بقلعة صحار.
ومنذ شبابه كان السلطان ثويني، يشارك في إدارة شؤون الحكم في عُمان، إذ عُيّن من قِبَل والده نائبًا عنه في البلاد أثناء غيابه الطويل في زنجبار، مما أكسبه خبرة واسعة في السياسة والإدارة. وفي 1856م، بعد وفاة والده في زنجبار، أصبح السيد ثويني بن سعيد سلطانًا على مسقط وعُمان، بينما تولّى أخوه السيد ماجد الحكم في زنجبار. وعلى الرغم من أن فترة حكمه لم تدم طويلاً، إلا أنه ظل شخصية محورية في التحوّلات الكبرى التي مرت بها سلطنة عُمان بعد انقضاء عهد والده، وظلّ يمثّل محورًا مهمًّا في فهم تاريخ الصراع على السلطة في عُمان خلال القرن التاسع عشر.
دخول أهل شيراز في رمضان وهزيمتهم على أسوار بهلا
يُشير عددٌ من المصادر التاريخية إلى خروج جماعة مسلّحة من أهل شيراز ببلاد (فارس) إلى أرض عُمان في عهد السلطان عمر بن نبهان، وذلك في سنة 674هـ (1275م تقريبًا) بحسب مخطوطات التاريخ العُماني، فقد ضمّت هذه الجماعة نحو 4500 جندي، يقودهم فخر الدين أحمد بن الداية وشهاب الدين، وكان خروجهم ذا طابعٍ استعماريّ غير واضح الهدف السياسي؛ إذ ارتبط بالأوقات التي كان فيها الاضطراب السياسي والعسكري في المنطقة يفتح المجال لتحركات وجماعات خارجية. ولم يتمكّن هؤلاء المرتزقة من اقتحام (قلعة وولاية بهلا) رغم محاولاتهم المتكررة، وهي الولاية التي اشتهرت بتحصيناتها وقوة دفاعاتها. وقد توفي قائدهم (فخر الدين أحمد بن الداية) أثناء هذا الحصار، وقد كان يتألّف جيشهم من مجموعات متباينة من الفرسان والمرتزقة، مما أدّى في النهاية إلى تفكك جحافلهم وانكسرت شوكتهم، وعودة النظام النسبيّ إلى الأقاليم العُمانية بعد هذه المحنة.
