مؤيد الزعبي
عزيزي القارئ هل تخيلت يومًا أن تشاهد عرضًا مذهلًا لفنون القتال الصينية "الكونغ فو" من الحركات السريعة والقفزات الدقيقة، والتناغم بين المؤدين عرضا يحبس الأنفاس، والمفاجأة أن المقاتلين ليسوا بشرًا، بل هم أسراب من الروبوتات البشرية التي قررت أن تسرق الأضواء في قلب بكين وذلك خلال حفل عيد الربيع لعام 2026، الذي تابعه المليارات حول العالم، لم تكتفِ الصين بتقديم الألعاب النارية والرقصات التقليدية، بل قدمت للعالم ما يمكن تسميته "فن الروبوتات الجديد" في مشهد مهيب جعل الخيال يصبح واقعًا.
خلال العرض قدمت مجموعة من الروبوتات المتطورة من إنتاج شركة Unitree جنبًا إلى جنب مع طلاب مدرسة "تاغو" للفنون القتالية، ليقدموا عرضًا بعنوان WU BOT، " لم يكن مجرد تحريك للأذرع؛ بل رأينا الروبوتات تؤدي "شقلبات" هوائية، وتستخدم "الننشاكو" ببراعة، وتقفز فوق الطاولات بأسلوب "الباركور" الذي يتطلب توازنًا يفوق قدرات الآلات التقليدية بمراحل، وهذا بحد ذاته تطورًا رهيبًا ويثبت أن الصين باتت متفوقة بشكل كبير في صناعة الروبوتات.

عزيزي القارئ، إذا عدنا بالذاكرة إلى حفل العام الماضي (2025)، سنجد أن الروبوتات كانت ضيفة لطيفة تؤدي رقصة "اليانغكو" الشعبية وتقوم ببعض الحركات البسيطة مثل رمي المناديل والرقص البسيط، لكن في عام 2026 يبدو أن الآلات الصينية حققت قفزة هائلة وليس مجرد خطوة، فالروبوتات اليوم أصبحت أسرع، حيث وصلت سرعة حركتها إلى 4 أمتار في الثانية، وأصبحت قادرة على تعديل توازنها في أجزاء من الثانية أثناء القيام بحركات دائرية معقدة مثل حركة "توماس 360" التي أذهلت الجميع، وكأننا أمام مقاتل كونغ فو حقيقي ومتمرس قادر على خطف الأنظار بسرعته واتقانه.
هذا التطور لم يقتصر على القوة البدنية فقط، بل امتد ليرسم ملامح إنسانية مذهلة، هل لك أن تتخيل معي عزيزي القارئ أن أحد العروض الكوميدية في الحفل شهد مشاركة روبوت "حيوي" يطابق ملامح الممثلة الصينية الشهيرة "كاي مينغ" بجلد صناعي يحتوي على 32 محركًا دقيقًا للوجه، استطاع الروبوت محاكاة تعبيرات الحزن، الفرح، وحتى حركة الفم بدقة متناهية أثناء الحوار، مما جعل الجمهور يتساءل: أين ينتهي الذكاء الاصطناعي ويبدأ البشر، اللوحة كانت معبرة عن مستقبل البشرية مع روبوتات شبيهة بالبشر.
لقد أثار هذا العرض موجة من الإعجاب والذهول في الصحافة العالمية، وصفت وكالات الأنباء الكبرى ما حدث بأنه "لحظة الحقيقة" للصناعة الصينية، حيث أثبتت بكين أنها لم تعد تطمح لمنافسة الغرب؛ بل بدأت بالفعل في قيادة عصر "الذكاء الاصطناعي المتجسد"، بينما كانت تعليقات المتابعين على منصات التواصل الاجتماعي تعبر عن صدمة إيجابية وذهول مما يمكن للروبوتات أن تقدم في قادم الأيام، وكيف لها أن تصيف طابعًا جديدًا لحياتنا ولفنوننا وحتى لبيئة عملنا.
هذا المقال ليس استعراضًا لما قدمه حفل عيد الربيع، بقدر ما هو وقفة أمام سرعة مذهلة في التطور والتطوير الصيني للروبوتات لتجعلها ليس منافسًا؛ بل ربما رائدًا يقود القطاع ويسيطر عليه في قادم الوقت. وإذا أردنا أن نعرف كيف تفوقت الصين في صناعة الروبوتات أجد أن السبب الرئيسي هو في القدرات الصناعية الصين والتي سهلت مسألة تصنيع الروبوتات وأذرعها ومحركاتها وتفاصيلها الحركية، وأيضًا هناك سبب مهم أن بعض الشركات الصينية حولت مصانعها لمختبرات متخصصة لتطوير الروبوتات، وبذلك تتحقق المعادلة قدرات تصنيعية وبحث علمي يطور هذه القدرات ويجب أن لا ننسى أن الصين أيضًا تتفوق حاليًا في برمجة عقول الروبوتات؛ فالروبوتات بدون برمجة دقيقة عبارة عن قطع حديد لا أكثر، وكل هذا جعل الصين اليوم تلعب وحيدة في هذا المجال.
عزيزي القارئ علينا أن نعترف أن الروبوتات لم تعد آلات صماء في المصانع، بل أصبحت "فنانين" يشاركوننا احتفالاتنا، يعبرون عن ثقافتنا، ويحولون الخيال العلمي الذي كنا نراه في الأفلام إلى واقع ملموس نراه على شاشات التلفزيون في ليلة عيد الربيع الصيني الذي جعلنا ندرك هذه الحقيقة، وسواء قبلنا أم ذهلنا أو حتى رفضنا إلا أننا يجب ان نستعد لعالم تتجول فيه الروبوتات من حولنا، عالم تدمج فيه الفن بالتكنولوجيا والتراث بالآلات والإنسانية بالسيليكون.
