ماجد بن علي الهادي
يُعرَّف التفكير على أنَّه عملية ديناميكية وتعاونية لتوليد الأفكار المبتكرة وتطويرها وتحسينها مع وضع هدف واضح في الاعتبار. شريطة أن يكون الهدف قابلا للقياس، وقابلا للتنفيذ على واقع المعقول.
وتكون العملية التفكيرية مُرتهنة بصور عقلية، تشكلت من جراء مواقف أثرت على العقل والعاطفة بالإيجاب أو بالسلب. ومن خلال التأثير ستكون هناك نتائج بحتمية التغيير. ومن أفرع وجذور ذلك التفكير ينبثق منه النهج الإبداعي، المتجذر في العصف الذهني والتفكير الاستراتيجي. لذلك نرى جل الاجتماعات موشومة بالعصف الذهني، ومسترسلة بالآراء المتباينة. وهذا هو المغزى الحقيقي، ألا وهو الخروج بالنتائج المفيدة والتي يجب أن تصب في صالح ما تم الاجتماع بخصوصه؛ حيث إن ذلك العصف بمثابة حافز قوي لاستكشاف المشكلات وحلها، وصياغة مفاهيم أو رؤى استشرافية، واكتشاف كل ما هو قيِّم.
وهناك ما يسمى بالتفكير الحر المنفتح على آفاق رحبة من حرية التعبير. صحيحٌ أن البعض يستغل هذا القالب الفكري ليبث سمومه وتعنته الفكري لإشباع رغباته المغرورة، لكن في المقابل التفكير المضاد سيكون له بالمرصاد. وهذا التفكير غالبًا ما يكون رصينًا في التعامل الفكري، وقوي الحجة في إرساء المعادلة المتكاملة لمعنى حقيقة الإنصاف، ولا يألو جهدًا الفكرُ المنفتحُ لاستكشاف وجهات النظر المتباينة والإمكانيات المختلفة لتوليد مجموعة واسعة من الأفكار، على أساس تجاوز التفكير التقليدي وتشجيع الأفكار غير التقليدية التي لديها القدرة على تحفيز الابتكار.
إنها خطوة حاسمة للولوج في العملية الابتكارية الشاملة، لأنها تضع الأساس لإيجاد حلول جديدة، أو تحسين العمليات الحالية، أو إنشاء شيء جديد تمامًا. وهذا الجديد المتجدد هو في الحقيقة منبع الصقل في روزنامة التفكير عمومًا؛ حيث إن العقل المفكر بطبيعته سيصل إلى مرحلة الإبداع والابتكار. وبمنهجه العلمي العميق سيكون بمثابة البوصلة التي سترشد الكثير من العقول المشابهة، لتتنافس بكل منهجية بهدف التميز.
وقد صنَّف المختصون والباحثون التفكيرَ على مستواه ومكانته في القالب الذهني كما يلي:
- التفكير العكسي (Reverse Thinking): فحص الأمور من منظور مختلف، أو التفكير في أسوأ سيناريو لتجنب الحماقة.
- التفكير النقدي (Critical Thinking): تحليل وتقييم الأفكار لوضع المعلومات في سياقها الصحيح.
- التفكير الإبداعي (Creative Thinking): إنتاج حلول جديدة واستخدام الموارد المتاحة بشكل عام.
وكل تلك التصنيفات في الحقيقة لم تأتِ من فراغ وإنما عن سابق تجارب ومواقف تحدث في بوتقة العقل البشري المدرك لما هو بصدده، وتصطرخ تلك التصنيفات في الجدار العقلي ليصل الصدى الى أبعد مدى، منهم من يجعل هذا الصدى قابل للتنفيذ، ومنهم من يؤطره بالتجاهل ويصبح عبئًا على التصرفات والأفعال المستقبلية.
ومع مرور الوقت تكون تلك التراكمات معوقات للتفكير، وحاجزًا صلبًا لعدم نفاذية تحقيق الأهداف. ولتفادي تلك المعضلة الفكرية يجب في البدء تحديد المشكلة أو العائق الذي منع العقل من الاستمرار في نهج تفكيره؛ حيث هذا المبدأ أو هذا الإجراء سيساعد تحديد التحديات المحددة أو نقاط الضعف أو الاحتياجات غير المُلبَّاة في تركيز عملية التفكير وتوجيه الجهود نحو إيجاد الحلول ذات الصلة.
ودائمًا وأبدًا عندما نتمكن من اكتشاف المشكلة، ندرك مداخل ومخارج الكيفية، ونستطيع التحكم في مجريات الارتطام الفكري، ونتطوق المخانق لنفكها، وبالتالي تُسترسل الأفكار بمرونة، ونُخضع الأفكار للتقييم وشفافية الاتزان.
إن عملية التقييم عنصر مُهم في التفكير أيًّا كان نوعه، ويتضمن ذلك تقييم الأفكار وفقًا لمعايير محددة مسبقًا مثل الجدوى والمواءمة مع الأهداف الإستراتيجية ومتطلبات الأهداف المخططة والمرسومة على جدار الخطة العامة. وتساعد هذه الخطوة في تحديد الأفكار الواعدة لمزيد من التطوير، ومزيد من الإنجاز. وهذا ما أشرت إليه في البداية؛ أن سيكون الهدف قابلًا للقياس وقابلًا للتنفيذ.
"لا أخشى على الإنسان الذي يُفكِّر وإنْ ضلّ، لأنّه سيعود إلى الحق، ولكني أخشى على الإنسان الذي لا يُفكِّر وإنْ اهتدى، لأنّه سيكون كالقشة في مهب الريح". الشيخ محمد الغزالي.
