مجلس الشورى.. بين المكانة المؤسسية والمسؤولية الوطنية

 

 

 

 

خالد بن أحمد العامري

bnmuqbil@yahoo.com

 

 

يمثل صدور الأمر السامي من لدن حضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم- حفظه الله ورعاه- بمنح رئيس مجلس الشورى لقب «معالي» دلالة مؤسسية ذات أبعاد عميقة، تعكس تقدير المؤسسة السلطانية لمكانة مجلس الشورى، أحد جناحي مجلس عُمان، ضمن الهيكل الدستوري للدولة. وهي خطوة تؤكد رسوخ البعد التشريعي والبروتوكولي للمجلس في منظومة الدولة، وتنسجم مع مسار تطوير العمل المؤسسي في سلطنة عُمان.

وفي هذا السياق، نُعرِّج على المسمّى المتداول لأعضاء مجلس الشورى؛ إذ كرَّس النظام الأساسي للدولة مبدأ العضوية الوطنية، فجعل العضو جزءًا من منظومة واحدة تعمل بروح الفريق لخدمة الصالح العام، لا ممثّلًا لإطار جغرافي ضيق. ومن هنا تبرز أهمية تصحيح بعض المفاهيم المتداولة في الخطاب الإعلامي والمجتمعي، ولا سيما وصف عضو مجلس الشورى بـ«ممثل الولاية الفلانية»، سواء داخل قبة المجلس أو خارجها. صحيحٌ أن النظام الانتخابي يقوم على دوائر تمثل الولايات، وهو تنظيم إداري يهدف إلى ضمان عدالة التمثيل والمشاركة، إلّا أن العضو، بمجرد فوزه وأدائه القسم، ينتقل من إطار الدائرة الانتخابية إلى فضاء المسؤولية الوطنية الشاملة؛ فهو معنيّ بقضايا عُمان الكبرى، وبالسياسات العامة، وبالتشريعات التي تمس حاضر الدولة ومستقبلها، لا بمطالب خدمية محلية فحسب. أما المطالب المحلية والخدمية، فقد أوجدت الدولة لها أطرًا مؤسسية معنية بالشأن البلدي، تتمثل في المجالس البلدية بالمحافظات، التي تضطلع بمتابعة القضايا الخدمية والتنموية في نطاقها الجغرافي. ومن ثمّ، فإن الخلط بين الدورين يُضعف الفهم الصحيح لوظيفة كل مؤسسة، ويحمّل مجلس الشورى ما ليس من صميم اختصاصه، ويختزل الدور التشريعي والرقابي في نطاق خدماتي محدود.

إن الإبقاء على توصيف عضو المجلس بـ«ممثل الولاية» يرسخ تصورًا غير دقيق لطبيعة عمل المجلس، وكأن مهمته تنحصر في الوساطة أو نقل الاحتياجات المحلية، بينما الحقيقة أن المجلس مؤسسة تشريعية ورقابية تناقش مشروعات القوانين، وتدرس الخطط التنموية، وتمارس أدوات رقابية تنعكس آثارها على الوطن بأسره؛ فمناقشة الموازنة العامة، ودراسة السياسات الاقتصادية، ومراجعة التشريعات الاجتماعية، كلها أعمال تتجاوز حدود الجغرافيا، وتمس المواطن أينما كان. ولا يعني ذلك إغفال صلة العضو بمجتمعه المحلي؛ فالتواصل مع الناخبين والاستماع إلى احتياجاتهم جزء أصيل من مسؤوليته الأخلاقية والوطنية. غير أن هذا التواصل ينبغي أن يُفهم بوصفه مدخلًا لفهم الواقع الوطني من زواياه المختلفة، لا حصرًا للدور في حدود ولاية بعينها.

 

وتبدو الحاجة ملحٌة إلى ترسيخ المسمى الأدق: «عضو مجلس الشورى»؛ باعتباره تعبيرًا عن الطبيعة الوطنية للمنصب، دون إلحاقه بالولاية المترشح منها. فالمصطلحات ليست مجرد ألفاظ؛ بل أدوات تصوغ الوعي العام وتحدد فهم المجتمع لطبيعة المؤسسات وأدوارها.

وبين تعزيز المكانة المؤسسية للمجلس، وترسيخ الفهم الوطني الشامل لعضويته، تكتمل صورة مجلس الشورى كمؤسسة دستورية تمارس أدوارها ضمن منظومة الدولة بكفاءة وانضباط؛ فالألقاب تعكس طبيعة المواقع، لكن المعيار الحقيقي يبقى في الأداء الوطني المسؤول، الذي يترجم الثقة إلى عملٍ يليق بعُمان ومستقبلها.

إنَّ مجلس الشورى ليس مجلس ولايات، بل مجلس وطن.

الأكثر قراءة

z