صاحب السُّمو السيد / نمير بن سالم آل سعيد
ونحن نستقبل شهر رمضان المُبارك، يخطئ من يظن أن هذا الشهر يعني فقط الامتناع عن الطعام والشراب من طلوع الفجر حتى غروب الشمس، أو مجرد إمساك عن المفطرات لساعات معدودة، وأنه بذلك يكون قد أدى ما عليه من عبادة رمضانية، ثم يعود إلى سابق عهده بعد انتهاء الشهر.
فرمضان كما ينبغي أن يكون أكبر مقامًا وأعمق أثرًا من أن يُختزل في تلك الطقوس، فهو أولًا وقبل كل شيء شهر التوبة والمغفرة، وهنا تأتي الفرصة للإنسان أن يُراجع نفسه ويُعيد النظر في تصرفاته، واختياراته الدنيوية، ويستدرك ما فاته من تقصير أو غفلة، وفي ذلك تتجدد الرغبة في طلب المغفرة من الله عز وجل، والإقلاع عن الذنوب وعدم العودة إليها.
الإنسان في الشهور العادية قد ينسى نفسه وينشغل بتفاصيل الحياة اليومية، وقد ينزلق أحيانا إلى ما لا يليق به خلقا وسلوكا، فيأتي رمضان ليعيده إلى ذاته بالتفكير الهادئ الرصين الذي يوقظ الضمير، ويحرك التفكر في أخطائه وإسرافه في أمره، لإعادته إلى نصابه الصحيح؛ ليمنح الصيام صاحبه سكينة روحانية من خلال الاستشعار بمكانة رمضان وأفضاله، فيمارس ضبط الإرادة، والتحكم في النفس، فيدرك أن السيطرة على الرغبات في المستطاع، والانضباط الذاتي من المقدور عليه، وهو ليس حرمانا بل تهذيبا للنفس، وينعكس أثر ذلك على سائر شؤون الحياة.
كما إن هذا الشهر المبارك أيضًا يمنح فرصة لعقد مصالحة الإنسان مع ذاته أولًا ومحيطه تاليًا، خاصة إذا كان كثير الانفعال والشكوى والتذمُّر في كل صغيرة وكبيرة، ساخطًا على مجتمعه، مُنتقدًا الأوضاع العامة وصناع القرار، ومن خلال هذا التصالح مع نفسه، يحررها من العدوانية والكراهية المتراكمة في صدره، ويُقلِّل بذلك من الصراع النفسي الداخلي الذي يُرهقه ويُعقِّد حياته، وليتجنب المتاهات التي تضرُه ولا تفيده؛ فالحكمة في تفادي هذه الأمور، ولا يحمل على عاتقه الدفاع أو الترافع عمَّا ليس مسؤولًا عنه ولا يملك السيطرة عليه، فما لك يا هذا بهذا، والأجدر ترك الشأن العام لأصحاب الشأن والاختصاص، حتى لا يورط نفسه بالانخراط مرارًا وتكرارًا، فيما لا يخلف إلّا الندم، فيكون بذلك، شاذًا مُستنكَرًا منبوذًا، ولا تستقيم حياته بعد كل ذلك الانخراط.
ومن المناسب أن يقدم الفرد في مستهل الشهر على خطوة التسامح تغاضيًا؛ فالتسامح ليس ضعفًا؛ بل قوة أخلاقية تعيد للقلب صفاؤه، وتمنح النفس توازنها وهدوئها ولو كانت بعض الخلافات صعب تجاوزها، فإن القرآن الكريم يدعو للتسامح، قال تعالى "فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ" (الحجر: 85). ومن جانب آخر فإن الصيام أيضا يعيد إلى الإنسان إحساسه بمعاناة الآخرين ويوقظ التعاطف وضرورة التكافل؛ فينظر المرء كيف بإمكانه مساعدة المعوزين والأقل حظاً، لتزداد لديه الحاجة إلى العطاء، ويصبح البذل قيمة مقدرة، وشعورا صادقا يبهج النفس ويلبي الواجب الإنساني.
ومن ثمرات رمضان كذلك إعادة ترتيب الأولويات، إذ يخفت وهج الماديات في حضرته، ويتقدم الاهتمام بما يزكي الروح ويقوم السلوك، كما تتجدَّد صلة الرحم وتقوى الروابط الأسرية، وتستعاد معاني أضعفتها الانشغالات والإفراط في الجري وراء هذه الحياة التي لا تبق ولا تذر.
وفي رمضان دروس وعبر عديدة نستشفها وأكثر، فلنتبصر ونخلص النية ونبدأ التغيير في نفوسنا، مترفعين عن سفاسف الأمور والدونيات الحياتية الوضيعة، حتى نتقدم بذواتنا إلى المستوى الإنساني العالي، بعيدًا عن الضعف والانحطاط والمغريات الخادعة.
إنها دعوة مع اقتراب هذا الشهر إلى عودة متوازنة إلى النفس لمراجعة المسار وتجديد العهد مع الذات، من أجل الطمأنينة والسلام والرقي الإنساني الرفيع.
