الريف ككيان ثقافي مُستقل

 

 

 

الطليعة الشحرية

لم يعُد النقاش حول الريف نقاشًا تخطيطيًا محضًا؛ بل أصبح نقاشًا حول الهوية، والاستدامة، وخيارات الدولة بعيدة المدى؛ فالريف، حين يُختزل في كونه نطاقًا خارج المدينة أو احتياطيًا مكانيًا للتوسع العمراني، يفقد قيمته الثقافية، ويتحوّل تدريجيًا إلى مساحة قابلة للإلغاء.

وتكمُن خطورة هذا المنهج في أنه لا يمس الأرض فقط؛ بل يمس الإنسان، والذاكرة، وأنماط العيش التي تشكّلت عبر قرون. من هنا، تبرز الحاجة إلى إعادة طرح سؤال الريف بوصفه كيانًا ثقافيًا مستقلًا، لا تابعًا حضريًا، مع الاستفادة من تجارب تشريعية راسخة، وفي مقدمتها تجربة إنجلترا.

تعتمد كثير من السياسات التخطيطية على تعريف سلبي للريف باعتباره "ما لم يُعمّر بعد"، لا باعتباره كيانًا قائمًا بذاته. هذا التعريف يجعل الريف خاضعًا لإعادة التصنيف كلما تغيّرت أولويات الإسكان أو التنمية، دون اعتبار لقيمته الثقافية أو الاجتماعية. ونتيجة لذلك، يُفرض على الريف منطق حضري قائم على الكثافة، والتجانس الوظيفي، والتوسع المستمر، وهو منطق يتناقض مع طبيعة الريف القائمة على التوازن البيئي، والتنوع الثقافي، والاستمرارية الاجتماعية.

الإشكالية هنا ليست في التنمية بحد ذاتها؛ بل في نوع التنمية، وفي غياب الاعتراف القانوني بالريف ككيان له منطق مختلف عن المدينة. ما لم يُحسم هذا التعريف تشريعيًا، سيظل الريف عرضة للذوبان التدريجي مهما تعددت أدوات الحماية الإدارية.

وفقدان الريف في هذا السياق لا يمثل خسارة رمزية فحسب؛ بل خسارة استراتيجية مباشرة. فكُل موجة نزوح من الريف إلى المدينة تعني زيادة الطلب على الإسكان الحضري، وارتفاع كلفة البنية التحتية، وتضاعف الإنفاق على الخدمات العامة، إضافة إلى إضعاف القاعدة الإنتاجية المحلية. في المقابل، فإنَّ الحفاظ على الريف ككيان مستقل يسهم في توزيع السكان بصورة أكثر توازنًا، ويحد من التمركُز السكاني المفرط، ويُبقي التنمية موزعة جغرافيًا بدل تركّزها في مراكز حضرية محدودة، بما يعزز الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي طويل الأمد.

الريف ليس مجرد مساحة إنتاج أو سكن؛ بل نظام ثقافي حيّ تتداخل فيه الأرض مع الذاكرة، والمكان مع الهوية، والعمل اليومي مع منظومة قيم ومعارف محلية متوارثة. هذه الخصائص تجعل الريف حاملًا لهوية مُتفرِّدة لا يمكن نقلها أو استنساخها داخل النموذج الحضري. وعند إخضاع الريف لمنطق التخطيط العمراني الصرف، بوصفه مجالًا للاستخدام المستقبلي، فإنَّ ذلك يؤدي إلى تفكيك العلاقة العضوية بين الإنسان والمكان، وتحويل الريف إلى حيّز مبني فاقد للسياق الثقافي الذي نشأ فيه.

هذا التحوّل لا يُعد تغييرًا عمرانيًا فحسب؛ بل تحوّلًا هُوِيَّاتيًا عميقًا؛ إذ يُمحى تاريخ غير مكتوب، وتُفقد معارف محلية، وتُدفع المجتمعات الريفية نحو النزوح، لا بفعل القهر المباشر؛ بل بفعل فقدان شروط البقاء.

تقدّم إنجلترا نموذجًا واضحًا لكيفية التعامل مع الريف بوصفه قيمة ثقافية وطنية؛ فالريف الإنجليزي لم يُحمَ لأنه غير صالح للتنمية؛ بل لأنه جزء من الهوية الوطنية والذاكرة الجماعية. وقد انعكس هذا الإدراك في منظومة تشريعية متكاملة جعلت حماية الريف أولوية سياسية وقانونية.

أبرز هذه الأدوات سياسة Green Belt (الحزام الأخضر) يتطلب "ظروفًا استثنائية"، التي وضعت حدودًا صارمة تمنع الزحف العمراني على الريف المحيط بالمدن. هذه السياسة لا تُعد مجرد توجيه تخطيطي؛ بل مبدأ وطني ثابت، لا يُعدَّل إلّا في حالات استثنائية مبررة، ما يعني أن حل أزمات الإسكان لا يتم على حساب الريف.

كما كرّس قانون عام 1949 الخاص بالحدائق الوطنية والمناطق الريفية في إنجلترا، مبدأ حماية الريف بوصفه تراثًا وطنيًا حيًا، لا مجرد بيئة طبيعية. وتبع ذلك تصنيف "مناطق ذات جمال طبيعي خلاب" (Areas of Outstanding Natural Beauty) الذي يفرض واجبًا قانونيًا بالحفاظ على الريف كونه يمثل قيمة جمالية وثقافية، ويقيّده من التحول العمراني حتى في ظل الملكية الخاصة.

إضافة إلى ذلك، أسهم قانون عام 2000 الخاص بالريف وحقوق المرور (Countryside and Rights of Way Act 2000) في توسيع مفهوم المصلحة العامة ليشمل الحق في بقاء الريف ريفًا، وربط التخطيط العمراني بالمسؤولية الثقافية تجاه المكان. وتدعّم هذا الإطار بدور مؤسسات مستقلة مثل "ناشونال تراست National Trust"، التي تحمي أراضي ريفية من أي تحويل استنادًا إلى تفويض قانوني واضح.

إذا كانت دولة صناعية مكتظة بالسكان مثل إنجلترا قد اختارت- تشريعيًا- حماية الريف من التوسع الحضري، رغم الضغط السكاني والاقتصادي، فإن حماية الريف في سياقات أقل كثافة وأكثر حساسية بيئية وثقافية تُعد أَولى وأجدر. فالحجة ليست عاطفية؛ بل منطقية: تدمير الريف لا يحل أزمة الإسكان؛ بل ينقلها إلى المدينة؛ والنزوح الريفي يضاعف الضغط على الخدمات الحضرية؛ وفقدان الهوية الريفية خسارة غير قابلة للتعويض.

ولذلك فإنَّ الإبقاء على الريف ككيان مستقل يحقق توازنًا ديمغرافيًا واقتصاديًا، ويُبقي التنمية موزعة بدل تركّزها، ويحول دون إنتاج أزمات حضرية مؤجلة.

والاستفادة من التجربة الإنجليزية لا تعني نسخها؛ بل تبني منطقها التشريعي، وذلك عبر الانتقال من حماية وظيفية مؤقتة إلى حماية وجودية. ويعني ذلك تعريف الريف قانونيًا بوصفه كيانًا ثقافيًا مستقلًا، وتحصينه من إعادة التصنيف الإداري إلا بأداة تشريعية عليا، وفصل التنمية الريفية عن التوسع الحضري مؤسسيًا، مع إنشاء منظومة مستقلة تُعنى بالتطوير المستدام دون دمج عمراني.

هذا المسار لا يمنع التنمية؛ بل يوجّهها لتكون تنمية تمكينية، تُبقي الإنسان في مكانه، وتحوّل الريف إلى مجال إنتاج واستقرار، لا إلى مرحلة انتقالية نحو المدينة.

يمكن ترجمة هذا المنطق في السياق المحلي من خلال تبني إطار تشريعي ومؤسسي متكامل يبدأ بإعادة تعريف الريف ذاته؛ فالخطوة الأولى تتمثل في إقرار تعريف قانوني صريح للريف بوصفه كيانًا ثقافيًا مستقلًا، لا مجرد تصنيف تخطيطي قابل للتعديل. هذا التعريف ينبغي أن يُدرج ضمن التشريعات المنظمة لاستخدامات الأراضي، بحيث يعترف بالريف كفضاء له خصوصيته البيئية والاجتماعية والاقتصادية، ويؤسس لحمايته على أساس وجودي لا وظيفي مؤقت.

ويستتبع هذا التعريف تحصين الريف من إعادة التصنيف الإداري السهل، عبر اشتراط أداة تشريعية أعلى لأي تغيير جوهري في طبيعته أو حدوده؛ فإخضاع تحويل الأراضي الريفية لإجراءات تشريعية صارمة يضمن أن يكون التغيير استثناءً مبررًا لا مسارًا اعتياديًا، ويمنح مسألة التحول المكاني بعدًا وطنيًا يخضع لنقاش أوسع من مجرد قرار إداري.

أما على المستوى المؤسسي؛ فيقتضي هذا التوجه إنشاء منظومة مستقلة للتنمية الريفية تتولى التخطيط الاقتصادي والاجتماعي وفق منطق يختلف عن منطق التوسع الحضري. هذه المنظومة ينبغي أن تعمل على تطوير الريف من داخله، بالاستناد إلى موارده المحلية وخصوصيته الثقافية، بدل إدماجه تدريجيًا في النطاق العمراني المدني؛ فالفصل المؤسسي بين التنمية الريفية والتنمية الحضرية يضمن عدم ذوبان الأولى في الثانية.

ويكتمل هذا الإطار بربط سياسات التوظيف والأمن الغذائي بالاستثمار في الريف، بحيث يصبح البقاء فيه خيارًا اقتصاديًا مجديًا، لا عبئًا معيشيًا. ويتحقق ذلك من خلال دعم القطاعات الإنتاجية المرتبطة بالبيئة المحلية، وتعزيز سلاسل القيمة الزراعية والغذائية، وتحفيز المشاريع الصغيرة والمتوسطة التي تستند إلى الخصوصية الريفية. فحين تتوافر فرص العمل والاستقرار الاقتصادي داخل الريف، ينتفي الدافع القسري للنزوح.

إنَّ السؤال الحقيقي المطروح أمام صُنّاع القرار ليس كيف نستخدم الريف؛ بل هل نُريد الحفاظ عليه أصلًا كجزء من الهوية الوطنية. التجربة الإنجليزية تُظهر أنَّ الإجابة الواعية تبدأ من التشريع، لا من التخطيط وحده. وحين يُعترف بالريف كقيمة ثقافية وهوية متفردة، يُصبح الحفاظ عليه قرار دولة، لا خيارًا مؤقتًا، وتتحول التنمية من مسار فقدان ونزوح إلى مسار توازن واستدامة.

الأكثر قراءة

z