د. كلثوم الحسنية
هنالك أغانٍ تقودنا إلى أماكن لم نخطط لزيارتها. نبدأ بالاستماع بدافع تحسين المزاج، فننتهي أمام أسئلة عن البشر الذين نمرّ بجوارهم كل يوم من غير أن نراهم حقًا. هكذا أخذتني أغنية فيروز "قدّيش كان في ناس" إلى تأملٍ طويل في حال ذلك الإنسان الوحيد، الذي يعيش بين الناس ولا يعيش معهم، يشاركهم الطريق ولا يشاركونه الشعور.
ما ألهمتني به الأغنية ليس تفاصيل حكايتها وحدها، بل الوحدة التي تتسيّد فضاءها؛ وحدةٌ تقف في قلب الزحام لا في أطرافه. فكرت كم من شخصٍ يجلس الآن في مكانٍ ما، ينتظر رسالة صغيرة أو سؤالًا عابرًا يذكّره أنه مرئي. أناس نصادفهم خلال يومنا يؤدّون تفاصيل يومهم بدقّة، لكنهم يعودون في المساء إلى فراغٍ لا شاهد عليه.
توقفت طويلًا عند «وأنا بأيام الصحو ما حدا نطرني». في الصحو تحديدًا تبدو الوحدة أكثر وضوحًا؛ حين يكون العالم مضاءً ومكتملًا يبدو غياب الرفقة أكثر قسوة. ليست العزلة دائمًا حدثًا كبيرًا، أحيانًا هي تراكم أيّامٍ عادية لم يحدث فيها شيء، ولم يأتِ فيها أحد. وهذا النوع الهادئ من الوحدة هو ما لا ينتبه إليه الآخرون.
وهنا تحديدًا، يبدأ الثقل الحقيقي للفكرة. فالوحدة التي لا تبكي ولا تشتكي، هي الأكثر خطرًا. تلك التي لا تُعلن نفسها، ولا تطلب النجدة، ولا تترك أثرًا واضحًا على الملامح. وحدةٌ تمشي بيننا بوجهٍ مألوف، وتجلس معنا على الطاولة نفسها، وتبادلنا التحية، ثم تعود إلى داخلها محمّلة بصمتٍ أثقل من الكلام. هذه الوحدة لا يلاحظها أحد، لأنها لا تُزعج أحدًا.
"نطرت مواعيد الأرض، وما حدا نطرني" تضعنا الأغنية أمام مسؤوليتنا الإنسانية، وتجعلنا نسأل من هم الذين نعبرهم من غير تحية، ومن هم الذين نظن أنهم بخير فقط لأنهم صامتون. ربما كان أقسى ما في الوحدة أنها غير صاخبة، لذلك تمرّ من أمامنا من غير أن نسمعها. عندها شعرت أنَّ الأغنية لا تصف حالة فردٍ واحد، بل تلمس هشاشة إنسانية مشتركة، وتجعلنا ننظر حولنا بعيوٍن أحنّ. وألا نستصغر أي لفتة لطيفة، فكم من حياة تغيّرت لأنَّ شخصًا واحدًا فقط قرر أن ينتبه.
بكرا لابدّ السما تشتيلي ع الباب؛ شمسيّات وأحباب"، لكنّ هذا الغد، في كثير من الأحيان، يمرّ دون أن يطرق الباب. تمطر السماء، نعم، لكن ليس دائمًا بالأحباب. فالرجاء يبقى معلقًا مثل مظلّة لم تُفتح بعد، جميلة في شكلها، لكنها لا تمنع البلل إن طال الانتظار. ومع ذلك، يظل الإنسان متمسّكًا بفكرة أن أحدًا ما، في يومٍ ما، سيقف على العتبة، لا ليغيّر الحياة، بل ليقول: لم تُنسَ.
وختاما، ربما لا نملك تغيير أقدار البشر، لكننا نملك أن نخفف وحشتهم قليلًا. أن نكون ذلك العابر الذي يتوقف لحظة، ذلك الصوت الذي يقول: أنا أراك. عندها فقط يصبح للأيام شاهد، ويغدو الطريق أقلّ برودة. فحتى لو تأخرت سماواتهم عن إمطار الأحباب، يكفي أن نكون نحن تلك المظلّة التي تقيهم صقيع الوحدة، وتخبرهم أن أحدًا ما، هنا، ولم يمرّ دون أن ينتبه.
