هل يصطدم جبروت ترامب بعظمة الإمبراطورية الفارسية؟!

 

 

 

د. أحمد بن علي العمري

 

الرئيس الأمريكي دونالد ترامب رئيس الولايات المتحدة الأمريكية وهي أقوى دولة في العالم في الوقت الحاضر وقد فاز بالرئاسة بكل جدارة واستحقاق، لكنه اغتر وتجبر وتغطرس وبدا كأنَّه فرعون الذي قال أنا ربكم الأعلى وهذا هو الدور الذي يتقمصه ترامب حاليًا.

لقد أعطى ظهره لأوروبا التي بدت عليها فعلًا علامات الشيخوخة وقد استسلمت للواقع وآمنت بأنَّها لا تقدر أن تدافع عن نفسها بدون أمريكا. لقد فرض ترامب رسومًا جمركية على كل دول العالم تقريبًا، الحلفاء والأصدقاء قبل الأعداء والمنافسين؛ بما في ذلك كندا وأستراليا؛ الأمر الذي جعل هذه الدول تفرض عليه رسوماً مُماثلة، وبالتالي فإنَّ هذا التوجه أضعف اقتصاده.

بعد ذلك طالب بجرينلاند التابعة للدنمارك أمام تخاذل أوروبا الواضح وإن كانوا يبدون عكس ذلك للمكابرة فقط فقد أخذتهم العزة بالإثم.

بعدها أعلن عن تشكيل مجلس السلام في غزة والذي يترأسه هو وبصلاحيات مطلقة وغير محدودة ودعا العديد من الدول للمشاركة فيه على أن تدفع كل دولة مشاركة مليار دولار، وكأنه أراد بهذا المجلس أن يحل محل الأمم المتحدة التي أعلن انسحابه من مُعظم منظماتها، والنتيجة وصول الأمم المتحدة إلى حافة الانهيار لأنَّ الولايات المتحدة هي أكبر الداعمين لها.

وفي أثناء هذا الوقت أعلن اختطاف نيكولاس مادورو الرئيس الفنزويلي من بلاده وهو الذي ما زال يفتخر بذلك هو ووزراؤه إلى اليوم وإلى مدى غير منظور على الرغم أنهم قدموا رشوة للعديد من العاملين مع مادورو الخائنين لأوطانهم لتسهيل مهمتهم.

بعدها تدخل في العراق واشترط عليهم من يختارون لرئاسة مجلس الوزراء على الرغم أنَّ العراق انتخاباتهم حرة وبدون قيود حسب الديمقراطية الأمريكية المزعومة وأخيرا يتفاجأ به العالم.

فإذا به يجلب أساطيله من شرق الدنيا وغربها ويعزز أفراده بما يزيد الخمسين ألف ليطوقوا إيران معلنًا لإيران، إما أن ترضخوا للشروط المذلة التي أفرضها عليكم أو الضربات الصاروخية بتحريش منقطع النظير من نتنياهو ودعم معنوي متواصل منه لأنه لا توجد لأمريكا على البعد المنظور مصلحة في ضرب إيران وإسرائيل هي المستفيد الأول بدون شك.

وهنا مربط الفرس والمغزى والمعنى وفي الإطار نفسه، فقد صرح ترامب أكثر من مرة وفي أكثر من مناسبه أن الحشد حول إيران أكثر من الحشد حول فنزويلا، وكأنه يريد أن يلمح للمرشد الإيراني أنه هو المستهدف وقد صرح ترامب علانية أن المرشد الإيراني عليه أن يشعر بالقلق، وهو لا يعلم أنّ هؤلاء القوم يتمنون الشهادة ويتوقون لها، ولا ينام أحد منهم ليلته حتى يكتب وصيته.

هذه حقائق لا يعرفها الغرب ولا يؤمنون بها وليس من أهدافهم سوى تلطيخ الإسلام ووصفه بالإرهابية وإشاعة الإسلاموفوبيا والعمل بجهد لمحاربة كل ما هو مسلم وللأسف الشديد نجد في أمتنا وبين أبناء جلدتنا المسلمين من يدعمهم ويصرف الأموال الطائلة في كل العالم ضد الإسلام والمسلمين.

ونرى المحللين (مدفوعي الأجر) في بعض القنوات يعظمون ويكبرون ويضخمون من هول الضربة الأمريكية على إيران وأن إيران في أضعف حالاتها ولديها احتجاجات في الشارع… طيب ألا يعرف هؤلاء أن الإيرانيين وعبر التاريخ قد يختلفون داخليًا، ولكنهم يتفقون على الغازي الخارجي؟

ألا يعرف هؤلاء أن إسرائيل استنجدت بأمريكا لوقف الحرب مع إيران بعد تكبدها خسائر فادحة وبالطبع غير معلنة إعلاميًا في حرب الاثني عشر يوما؟

لقد صُدم ترامب عندما عرف أن الصين وروسيا قدمتا لإيران كل المعلومات الاستخباراتية الدقيقة وزوَّداها بأحدث الصواريخ والدفاعات الجوية؛ لأن الصين لا تريد لأمريكا أن تنتصر في حربها مع إيران، وبالتالي تتفرغ لما يحدث في تايوان وكذلك روسيا تريد أن تنهك أمريكا مع إيران مثل ما أنهكتها في أوكرانيا.

وقد لوحت إيران إلى إطلاق مناورة عسكرية مع الصين وروسيا؛ الأمر الذي جعل الأساطيل الأمريكية تتراجع مُكرهة إلى أبعد نقطه آمنة؛ حيث ألمحت إيران إلى ان المواجهة لن تكون معها وحدها، وإنما هناك مصالح لعدة دول قد تتواجه مع المتمرد الأمريكي.

التحالف الشرقي جاهز وقد يستخدم أجهزة تشويش متطورة قد تعمي الأنظمة الأمريكية تماما، ولذا نحن أمام مشهد يعيد تشكيل موازين القوى العالمية؛ الأمر الذي جعل الغطرسة الأمريكية تتراجع.

يقال إن ترامب طلب من الرئيس التركي التدخل لإنقاذ ماء وجهه خوفًا من الانزلاق في مستنقع لا مخرج منه. ترامب يريد ضربة نظيفة وسريعة، لكن ذلك لن يتأتى له؛ فالعقيدة الإيرانية تقول بوضوح "عليَّ وعلى أعدائي"؛ فطهران تلمح إلى أنه في حالة تعرضها لأي ضربة سوف تتوجه مباشرة لقاعدة الأرض المحروقة التي لا رحمة فيها ولا شفاعة.

هناك محللون آخرون ينظرون للأمر من زاوية أخرى وهي زاوية اقتصادية صرفة؛ إذ يعتقدون ان الأمر مجرد زوبعة الهدف منها ارتفاع سعر الذهب؛ الأمر الذي جعل البنوك تتسابق لشراء الذهب خوفا من تهاوي سعر الدولار.

وقد استغلت أمريكا الأمر؛ حيث باعت عشرة بالمئة من احتياط الذهب لديها وهو في أعلى سعر قياسي تاريخيا وسددت جزءا لا بأس به من ديونها والآن سترجع تشتري بدلًا عنه بسعر منخفض وذلك بعد انخفاضه، حتى إن وزير الخزانة الأمريكي أعلن أن إيران تعاني من نقص شديد لديها في الدولار فردوا عليه الإيرانيين أن لدينا فائض في اليوان الصيني (C N Y) أو (RMB) والتي تعني حرفيًا عملة الشعب.

ثم إن ترامب يقول إنه أوقف ثمانية حروب فكيف يبدأ حرباً لا يعرف نهايتها.

لقد كان الاتفاق أن تعقد المفاوضات في إسطنبول وقد دعت تركيا عدة دول للحضور، وهنا فهمت إيران أنها ربما تفاوض عدة دول التي تميل نسبيًا إلى أمريكا بدل التفاوض مع دولة واحدة، وعليه طلبت إيران أو يجوز أن نقول اشترطت أن تُنقل المفاوضات إلى سلطنة عُمان بلد الحياد والعدل والسلام وعلى أن تقتصر المفاوضات على النووي فقط وأن تكون غير مباشرة وقد قبلت أمريكا بذلك.

ومن يدري ماذا يجري في الغرف المغلقة فلربما يكون وقف التخصيب ونقل 400 كيلوجرام من اليورانيوم المخصب، والتي وصل فيها التخصيب إلى 60 بالمئة، إلى بلد محايد مقابل إلغاء العقوبات بكاملها على إيران.

الظاهر إنه لا يرد القوي إلا القوي. والله وحده القوي فوق كل قوي.

ولله في خلقه شؤون.

الأكثر قراءة

z