حلم أصدق من الواقع

 

 

هيثم نافل والي

تنويه: علينا ألا نهاب من أي كتاب مهما كان نوعه، بل العكس، أن نجعل الكتاب هو من يهاب أذهاننا!

عندما أتعامل مع الكلمات أزداد وعيًا بالواقع! أحس بوجودي، تمحى الحدود وترفع السدود! أستطيع أن أفعل ما لا أقدر عليه في حياتي! ترتعش الكلمات تحت قلمي، أرى خيالاتها تتحرك، أتابعها ببصيرتي، ثم أسمع شهقات معانيها وهي ترتطم بالورق! أنتقم من الزمن وأنا تحت وطأة الكتابة، أنتصر عليه، وأجعله يختفي وينضوي من عالمي كأنه العدم! فلولا الظلمة لما كان للنور من معنى. ولولا الشر لما كان للخير في أسرارنا مأوى. ولولا الحماقة لما كانت للحكمة حس، صدى وسلوى. يموت العالم كما الجاهل والكل في شريعة الله ذائب يفنى، ولا يبقى غير سيرة المبدع خالدة، باقية على مدى الدهر لا تفنى.

أتصل بي صديقنا الدكتور (ن) هاتفيًا وأنا أستمع لطقطقات ضحكته وهي ترن مجلجلة في أذني عبر سماعة الهاتف وهو يهتف بصوت كان أقرب إلى جسارة ممثل يجيد عمله على خشبة المسرح مصرحًا دون تباطؤ:

- سآخذك أنت وزوجتك في نزهة لن تندما عليها، لا تتوقعانها، سترد لكما الروح التي غادرتكما بسبب غربتكما الطويلة في بلاد الجرمان، ثم واصل ضحكاته التي وجدتها تعبر عن بساطته التي تعودت عليها، والسخرية التي لا تعرف وقتها إن كان في طرحه ذاك جادًا أم ساخرا!

استمعت له بصبر لا يملكه غير أيوب الذي أمتحنه الله.. سألته مقاطعًا:

- لكن، عليك أن تخبرنا عن وجهتنا، وما الذي ينتظرنا، ثم تابعت بصدق: نحن أناس لا نقرب المفاجأة.. ولم يجعلني أكمل فكرتي، بل كانت هواجسي أقرب إلى الدعاء من الرجاء! رن صوته من جديد بصوت يشبه رنة النحاس:

- سلما أنفسكما لي، وأنا سأعتني بكما، كما أعتني ببؤبؤ عيني.. أعدكما بذلك، وأضاف مباغتًا: لا ترتدوا الملابس الرياضية ولا تجلبا معكما شيئًا. تعالا كما أنتما وستكونان في أجمل صورة والفرحة هي عنوان وجهتكما بإذن الله!

استغفرت ربي في سري، وقلت أسر ذاتي: ما هذا.. شيء غير معقول ما يحدث لي الآن.. ولم أشعر إلا والخط الهاتفي قد قطع وبعد برهة وصلت منه رسالة بموقع اللقاء، زمنه ومكانه!

كان دكتور (ن) في بداية حلقته السادسة! عفريت حقيقي، لا يخشى ولا يهاب. يرمي النكتة كما يشرب الماء. وله سن ضاحك أبدًا لن تستطيع أن تتجاوزه إلا بعد أن تشاركه فرحته وسعادته. من برج القوس الذي يعرف طريقه جيدًا. رحيم عطوف. طيب لحدود اللعنة. معطاء كمتعبد لا يسعى إلا لإرضاء الرب! محبًا للحياة، وينشر الفرح كما المرح أينما يكون ولكل من حوله.. مفكر، مثقف، واسع الاطلاع وله علاقات أخطبوطيه يجهل فصلها وأصلها الشيطان لتفرعها وشموليتها.. كان ببساطة إنسان يمكن أن تحبه بعد لحظة لقاء. ما علينا!

أخبرت زوجتي بالطارئ المنتظر! انكمشت على نفسها! ركبها القلق، تغيرت سحنتها فجأة، خفت عليها لحظتها! أنا أعرفها، تمقت المفاجآت.. كيف يمكن لي أن أقنعها بأمر أنا نفسي أجهله؟

معاناة كبيرة زجني بها صديقي المدعو دكتور (ن) سامحه الله.. لا أستحق منه كل ذلك.. رددت هذا على نفسي بصوت خفيض وأنا أحارب وأكافح من أجل إقناعها بأهمية النزهة المُرتقبة التي وعدنا بها ذو السن الضاحك.. وبالكاد جعلتها توافق على مقترح نجهل أهدافه.

وما أن التقيناه في الزمان والمكان الذي حدده لنا، أخذنا من أيدينا وكأننا عميان لا نرى وهو يدخلنا في بناية لا نفقه حتى اسمها.. نظيفة وكأنها للتو معروضة للبيع! صعدنا معه إلى طابق لم نتبين موقعه أو رقمه، فتح لنا بابًا عريضًا من الخشب الصاج وهو يُقدمنا بنفس طريقته التمثيلية، غارقًا بالضحك الذي يقصم الوسط، وكتفه يهتز محتالًا علينا إلى رئيس تحرير جريدة الرؤية العُمانية الرائدة العريقة الأستاذ حاتم بن حمد الطائي، بعد أن قرر أن يعرفنا على قامة أدبية وفكرية كبيرة لا يُمكن للحاضر أو المستقبل أن يتخطاها دون ذكر تأريخها..

هكذا تم التعارف الذي بدأ بحلم وانتهى بحقيقة أصدق من الواقع!

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z