غزة تمسح خطوط الوهم الصهيونية من عقول الأمة

 

 

 

سعيد بن محمد الجحفلي

 

يحكى أنَّ رجلًا مشعوذًا أدعى الصلاح والتَّدين، فقام يدعو الناس إلى معتقدات مُضللة لا تمت للدين الإسلامي بصلة، ونظرًا للجهل والأُمية المُتفشية بين النَّاس في ذلك الزمن، أصبح لديه أتباع ومريدون يرافقونه في كل مكان يذهب إليه، ففي إحدى جولاته في المناطق الريفية البعيدة، طلب من سكان تلك المنطقة ذبح مجموعة من المواشي وطبخها، وقام برسم خط على الأرض بين اللحم المطبوخ والنَّاس المتجمهرين حوله، وقال: كل من يتخطى هذا الخط باتجاه اللحم سوف يموت في الحال!!

فامتنع النَّاس عن تجاوز الخط خوفًا على أرواحهم، وفي هذه الأثناء جاء رجل من منطقة أخرى وتخطى الخط فنهره المشعوذ وهدده بالموت، فلم يلتفت إليه الرجل، وأخذ كمية من اللحم ووضعها في جرابه وانصرف بكل هدوء، عندئذٍ انكسر خط الوهم والدجل في عقول النَّاس المتجمهرة، فهجموا باتجاه اللحم وتخطوا الخط المرسوم، فهرب المشعوذ وانفضح أمره.. هنا تتقاطع أفكار الشعوذة والوهم مع نظرية التفوق والهيمنة العنصرية التي تُزرع في عقول الشعوب المستعمَرة لعقود من الزمن كما تتعامل إسرائيل مع الدول العربية بعقلية الهيمنة والاستعلاء، وهو الكيان الدخيل والجسم الغريب الذي زُرع خلصة وعلى حين غِرّة في قلب الأمة بعدما أنهكتها المُؤامرات الخارجية والصراعات الداخلية، فغرقت في وحل الجهل والتخلف لعقود من الزمن، وهذا نتاج ما كان يصنعه الاستعمار الغربي منذ القرن السادس عشر الميلادي حين بدأ بإرسال بعثاته العلمية ومستشرقيه إلى الأقطار العربية ليدرسوا خصائص ومقومات نهضة الأمة وسر قوتها الذي به ارتقت وسادت العالم لقرون من الزمن، حيث بنت حضارة وأسست المفاهيم الأولى للعلوم التطبيقية والإنسانية التي أقامت عليها الحضارة الأوروبية نهضتها بعد ذلك. فعرفوا أنَّ سر قوة الأمة يكمن في وحدة المصير والهوية الإسلامية الصحيحة، فهذا السر جعل منها أمة عظيمة موحدة استطاعت خلال سنوات قليلة من بعثة النبي محمد صلى الله عليه وسلم أن تهزم أكبر إمبراطوريتين في ذلك الزمن.

عمد الاستعمار إلى محاربة سر قوة الأمة بأدواته الناعمة كإعادة تشكيل هويتها، وخلق تبعية ثقافية موالية للغرب، والعمل على تفعيل نظرية "الاستنزاف الاستعمارية" التي تجعل الدول المستهدفة في حالة صراع داخلي وخارجي لاستنزاف طاقاتها وإبقائها معتمدة على القوى المُهيمنة. فالعرب قبل الإسلام كانوا عبارة عن قبائل متناحرة ومتفرقة تتقاتل فيما بينها على أتفه الأسباب رغم ما لديهم من قيم حميدة وصفات نبيلة قلما تجد نظيرها لدى الشعوب الأخرى، ولكن هذه الصفات لم يتم توظيفها بالشكل المطلوب حتى جاء الإسلام فهذبها فأصبحت "خير أُمة أُخرجت للناس"، ولما دبَّ الضعف في أوصال الأمة مرة ثانية بسبب ما تعرضت له من المؤامرات الخارجية والتفكُك الداخلي، أقام الكيان الغاصب دولته المزعومة بدعم غربي غير محدود لخدمة أجندتهم في المنطقة، عندئذٍ استطاعت إسرائيل أن ترسم خطوطًا وهمية في عقول الشعوب العربية لأكثر من 70 عامًا على أن دولتهم هي الأقوى والمتحكمة بأمن المنطقة، وأن مواجهتها أو الخروج عليها هو ضرب من الخيال، أو كالذي حكم على نفسة بالموت المحتوم!! فاستمرت تلك الدعاية تتبرمج في عقول الأجيال العربية، بفعل الماكينة الإعلامية الصهيونية وأدواتها في المنطقة ولوبيات الدعم العالمي، واعتبروا أن الدولة الناجية هي التي تنأى بنفسها بعيدًا عن معارضة إسرائيل والوقوف في وجه أطماعها، مما أتاح لها، المجال للعربدة والتعدي على المزيد من الأراضي العربية.

هذا الكيان الدخيل كما ذكرت زُرع في قلب الأمة ليقوم بدور وظيفي لتحقيق المصالح الغربية التي خرجت بها وثيقة " كامبل بنرمان وأخواتها عام 1907 في لندن" وهي وثيقة استعمارية طويلة الأمد، من أهدافها جعل الأمة العربية في حالة ضعف وتفكُك مُزمن، ليسهل نهب ثرواتها والسيطرة على إرادة شعوبها، والدليل على صحة مخرجات الوثيقة ما أتى بعدها من اتفاقيات استعمارية- كسايكس بيكو ووعد بلفور وغيرها- فهذه الأحداث مرتبطة ببعضها لتحقيق مصالح الغرب في المنطقة، وجعل الأقطار العربية تعيش في دوامة من الصراعات والاستنزاف المستمر، حتى أصبحت أكبر مَنْفَذ تسويقي للأسلحة الأمريكية والأوروبية والإسرائيلية على مستوى العالم، ورغم صفقات الأسلحة يتم إبرام اتفاقيات بمليارات الدولارات للحماية الأمنية مع تلك الدول، لأنَّ وهم الحرب ونظرية المؤامرة مغروسة في العقول حتى من الجار الشقيق !! فالمنطقة موبوءة بفيروس اسمه إسرائيل منذ أن وطئت أقدام أول موجة صهيونية حديثة أرض فلسطين خلال الفترة (1882- 1903) والجسم العربي منهك بالأسقام والأوجاع التي لا تبرأ، ولن تنعم الأمة بالهدوء وتتحقق لها الإرادة إلا بزوال ذلك الجسم الخبيث من جسدها.

وفي لحظة فارقة وغير مدرجة في أُمنيات وأحلام اليقظة للشعوب العربية؛ إذ بصوت البوق ينفخ ويستنفر الجميع للنهوض والنزول للميادين وساحات الاعتصامات والمطالبة بكل ما يخطر على البال!! مسنودًا بحماية أمريكية مطلقة للتعبير عن الرأي، وهذا الذي بشّرت به وزيرة الخارجية الأمريكية السابقة كونداليزا رايز وأطلقت عليه "الفوضى الخلاقة"، أو ما يسمى بالربيع العربي فتسببت تلك الفوضى بزيادة ضعف وتفكيك أنظمة عربية وانزلاقها في حروب أهلية ماحِقة خلّفت مجازر بشرية ونزوح الملايين؛ ليظل الوهم والوهن الذي تغذيه الدعاية الصهيونية سائدًا وراسخًا في عقول الأمة، إلى أن جاء يحيى السنوار ورفاقه فتخطّوا خطوط إسرائيل الحمراء وكسّروا قيد الذل والهوان عن الاُمة رغم كل ما حصل من مآسٍ وإبادة لأهل غزة ولا زال، فعبر رجال النخُبة السياج الحديدي الذي أُنفق على بنائه مليارات الدولارات خلال ساعات معدودة، بإيمانٍ لا يُقاس بمقاييس البشر، في ملحمة بطولية عجز عن تفسيرها كل المحللين العسكريين والاستراتيجيين في العالم إلى حد اللحظة!! فلنتمعن أيها القارئ الكريم في كيفية انقلاب حال الأُمة سريعًا عندما تعود إلى جادة الطريق، فتحصل مفاجآت لا تخطر على البال.

هناك "مارد" خفي إذا تم إيقاظه في النفوس المؤمنة ينقلب الحال من ضعف إلى قوة ومن شتات إلى وحدة ومن تبعية إلى استقلال وعظمة، فنواميس الخالق ماضية بين الأمم والأفراد إلى قيام الساعة.

تعيش البشرية اليوم حالة من التيه والاختطاف المعرفي جراء طيف الحداثة ومغريات التقنية التي تُعمّر جانباً من حياة البشر وتُدمر جوانب أخرى، لأنها صنيعة قاصر ونتاج اللحظة. أما الفئة المؤمنة في غزة فقد قررت أن تمضي إلى الله وتعتصم بحبله المتين، فحفظت كتابه وطبقت تعاليمه، فغار إبليس وأتباعه منهم، فحرك جنوده لمُعاقبتهم، فحُوصِروا من الأشقاء قبل الأعداء، فقُطع عنهم مدد الدنيا، فأمدهم الله بمدد من عنده لا يُرى ولا يُسمع ولا تنفد عجائبه، فتلك إضاءات ربانية تنسل إلى الأفئدة فتُثبتها، وتنقاد الجوارح لمعطياتها، فكرامات غزة جاءت في سياق المدد الإلهي غير المريء، ليتجلى على شكل رضا وسكينة وثبات لا يوجد له تفسير إلّا من جربه، فكل كرامة ومعجزة تأتي في سياق تفكير واهتمامات الناس في زمن ما من حياة هذا الكون المليء بأسرار خالقه، فكرامات ومعجزات الأنبياء السابقين تأتي حسب مفهوم وتفكير تلك الازمنة، وكأن الآيات الربانية في غزة جاءت ندًا لزمن التقنية الرقمية التي اختزلت الوقت والجهد والكُلفة عبر الأثير في لحظات غير محسوبة أو محسوسة دون أن نفهم كيف تمت تلك الخدمة المذهلة في وقتها.

لقد حارت الإنسانية جمعاء مما ينقل عبر الشاشات من جرائم تُرتكب في أبشع صورها في حق المدنيين الأبرياء في غزة، فترتجف قلوب وفرائص المشاهدين من أصحاب الضمائر الحية العاجزة، ويُصابون بدوار البحر وسُهاد الليل وهم في بيوتهم، فيقررون مقاطعة شاشات التلفاز عقابًا لها على ما تنقل من بشاعة المشاهد التي تُكدر النفوس وتُدمي القلوب، وتستمر هذه المقاطعة لديهم أكثر من مقاطعتهم لبضائع الشركات الداعمة للكيان المجرم، فمثلهم كمثل الذي يقاطع شرب الشاي المُحلى بالسكر حفاظًا على صحته، وفي المقابل يأكل الحلوى والمنتجات المحلاة بالسكروز المُرّكز! 

جاء الإسناد الحربي لغزة من قبل المنظمات والجماعات العربية المحسوبة على الجمهورية الإسلامية الإيرانية بعدما عجزت كل الدول العربية عن دعم المقاومة بذخيرة واحدة، فمسح ذلك الإسناد عن وجه الأمة شيئًا من الذل والعار أمام العالم، وبعث برسائل أن جسد الأمة لا زال فيه حياة، وأن نتنياهو وزبانيته لم ولن يتمكنوا من تجريد الأمة من استخدام الذخيرة الحية ضدهم كما يدّعون. وبذلك يكون غصن الزيتون الممدود قد ذبل واحترق من لهيب صواريخ طائرات f16 وازيز مدافع الميركافا، وأن الأيادي التي كانت ترفع الغصن قد أصابها الجذام والعطب. فكان لذلك الإسناد دور كبير في رفع معنويات المقاومة في غزة والأراضي العربية المحتلة في الداخل الفلسطيني.

العدو الإسرائيلي يعرف أن العقبة العصية أمامه في المنطقة هي إيران وأن القضاء عليها تمنحه الهيمنة المطلقة بلا منازع، وهذا لا يعني أننا متفقون مع سياسة إيران التوسعية ولكن هناك توازن قُوى يجب أن تبقى.

وفي الختام نؤكد أن إسرائيل ليست دولة نِدِّيَّة لإبرام معها اتفاقيات ناجحة لتبادل المصالح والمنافع مثل بقية دول العالم، إسرائيل كيان وظيفي مُستَنسخ، تم إنتاجه في غرف مظلمة من قبل الدول الاستعمارية الكبرى في زمن ما، لخدمة مصالحها في المنطقة العربية والعالم، مع ضمان الحماية والدعم اللامحدود، بُغية الاستيلاء على مزيد من الأراضي العربية، والسيطرة على مصادر الثروة والممرات المائية الاستراتيجية، فمن الغباء أو التآمر الفاضح التعامل مع هذا الكيان السرطاني المتحوَر على مبدأ الصداقة والثقة والمنفعة.

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z