جمال حمدان.. قاهر الصهيونية

 

محمد بن سلطان الساعدي

يُعد المُفكِّر والجغرافي المصري الدكتور جمال حمدان (1928- 1993) واحدًا من أبرز العقول العربية التي واجهت المشروع الصهيوني من زاوية علمية ومعرفية، بعيدًا عن الشعارات السياسية أو الخطابات الانفعالية. وقد شكّلت كتاباته- ولا سيما تحليلاته المتعلقة باليهود وإسرائيل- مرجعًا فكريًا مهمًا في تفكيك الأسس التي قامت عليها الصهيونية بوصفها مشروعًا استيطانيًا استعماريًا يتعارض مع قوانين التاريخ والجغرافيا.

ولم يكن اهتمام جمال حمدان بالصهيونية موقفًا أيديولوجيًا بقدر ما كان نتيجة طبيعية لمنهجه البحثي، الذي تعامل مع الجغرافيا باعتبارها علمًا شاملًا يفسر حركة الشعوب وصعود الدول وسقوطها.

منهج علمي في مواجهة السردية الصهيونية

اعتمد جمال حمدان في تناوله لليهود وإسرائيل على منهج تحليلي صارم، جمع بين الجغرافيا السياسية، والتاريخ، والديموغرافيا، والأنثروبولوجيا. وقد مكّنه هذا المنهج من تقديم قراءة مغايرة للسردية الصهيونية التي طالما روجت لفكرة «الشعب اليهودي الواحد» و«الحق التاريخي في الأرض».

وأكد حمدان- في أكثر من دراسة ومقال- أن اليهود، من الناحية العلمية، لا يشكّلون عِرقًا واحدًا متجانسًا، بل ينتمون إلى أصول إثنية وجغرافية متعددة، وهو ما يُسقط الادعاء الصهيوني القائم على وحدة الدم والعرق. وميّز بوضوح بين اليهودية كديانة سماوية، والصهيونية كحركة سياسية حديثة وظّفت الدين لخدمة مشروع استيطاني.

تفكيك أسطورة «الشعب المختار»

ومن أبرز القضايا التي تناولها جمال حمدان تفكيك مفهوم «الشعب المختار»، الذي اعتبره حجر الأساس في الفكر الصهيوني. وأوضح أن هذا المفهوم لا يستند إلى معطيات تاريخية أو علمية؛ بل إلى تأويلات دينية جرى توظيفها سياسيًا لتبرير الاحتلال وفرض الأمر الواقع.

وأشار إلى أن التكوين السكاني في إسرائيل يعكس حالة من التناقض الداخلي بين يهود الشرق ويهود الغرب، سواء على المستوى الثقافي أو الاجتماعي أو الاقتصادي، وهو ما يُضعف فكرة الانسجام القومي التي تدّعيها الدولة العبرية.

إسرائيل في مواجهة الجغرافيا

وفي تحليله الجغرافي لإسرائيل، قدّم جمال حمدان رؤية اعتبرها كثير من الباحثين من أخطر ما كُتب عن الكيان الصهيوني. فقد وصف إسرائيل بأنها «دولة ضد الجغرافيا»؛ أي أنها كيان سياسي لا ينسجم مع محيطه الطبيعي ولا مع امتداداته البشرية والحضارية.

وبيّن أن قيام إسرائيل اعتمد على الهجرة المنظمة والدعم الخارجي أكثر من اعتماده على التجذر الطبيعي في المكان، وهو ما يجعلها- وفق تحليله- دولة تعاني هشاشة بنيوية، مهما امتلكت من تفوق عسكري أو تكنولوجي. وأكد أن غياب العمق الجغرافي، والتناقض السكاني، والاعتماد المستمر على القوى الكبرى، كلها عوامل تجعل المشروع الصهيوني مشروعًا مؤقتًا بطبيعته.

لكن.. لماذا شكّلت كتابات حمدان إزعاجًا لإسرائيل؟!

لم تَحظَ كتابات جمال حمدان بانتشار واسع في الأوساط الأكاديمية الغربية، على الرغم من قيمتها العلمية، وهو ما يفسّره كثيرون بكون أفكاره قدّمت نقدًا جذريًا للمشروع الصهيوني يصعب دحضه علميًا؛ فهو لم يكتفِ بانتقاد السياسات الإسرائيلية، بل ذهب إلى ما هو أعمق، حين شكك في الأسس الفكرية والأنثروبولوجية التي قامت عليها الدولة نفسها، وهو ما جعل أفكاره تُعدّ مصدر إزعاج حقيقي للخطاب الصهيوني.

راهنيّة فكر جمال حمدان

ومع تصاعد الأزمات الداخلية في إسرائيل، وتزايد الانقسامات المجتمعية والسياسية، تعود كتابات جمال حمدان إلى الواجهة بوصفها قراءة استشرافية سبقت زمنها. فالكثير مما حذّر منه، بات اليوم موضوع نقاش داخل المجتمع الإسرائيلي ذاته. ويرى باحثون أن إعادة قراءة أعمال جمال حمدان تمثل ضرورة ثقافية وفكرية في ظل محاولات إعادة صياغة الرواية التاريخية في المنطقة، وطمس الحقائق المرتبطة بالقضية الفلسطينية.

وأخيرًا.. لم يكن جمال حمدان مفكرَ مواجهةً بالمعنى التقليدي، لكنه كان صاحب مشروع معرفي هادئ، واجه الصهيونية بأدوات العلم والعقل، لا بلغة الشعارات. ومن هنا، استحق أن يُنظر إليه بوصفه أحد أبرز من كشفوا زيف المشروع الصهيوني من الداخل.

ويبقى جمال حمدان حاضرًا في الذاكرة الفكرية العربية، ليس فقط كجغرافي بارز؛ بل كمفكر أسهم بعمق في معركة الوعي، وترك إرثًا معرفيًا لا يزال قادرًا على إضاءة الحاضر واستشراف المستقبل.

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z