حمد بن خلفان آل تويّه
في الوقت الذي كان يتطلع فيه العالم بأسره ومنه منطقة الشرق الأوسط على وجه التحديد إلى العيش بسلام بعيدًا عن الأزمات المُتلاحقة والحروب المتوالية؛ إذا بالأيام تُكذب هذه الآمال لتُحيل حياة جميع سكان هذا الإقليم بالذات إلى حالٍ من الفوضى وعدم الاستقرار وضنك العيش بعد أن ابتليت المنطقة بزرع كيانٍ غاصبٍ إرهابيٍّ مُجرمٍ في قلبها يسمى "إسرائيل" التي لفظتها إنجلترا الاستعمارية الظالمة في ساعةِ نحس؛ عندما منح ذلك الملعون المدعو بلفور في عام 1917 وطنًا قوميًا لليهود في فلسطين، وكأنّ هذه الدولة وأرضها المقدسة أورثها له أمه وأبوه كي يتصرف بها كما يشاء- قبّحهُ الله- حيث أعطى ما لا يملك لمن لا يستحق، ومنذ أن أُوجد هذا الكيان المصطنع في هذه المنطقة والمصائب والويلات والحروب والأزمات تتوالى عليها على نحوٍ أكّد بكل وضوح أنّ كل الشرور والآثام والنكبات، مُقترنةٌ بهذا الكيان الرقيع إلى يوم زواله!
ومتى كانت هذه الدولة الاستعمارية ذات التاريخ الأسود الطويل باحتلال كثيرٍ من بلدان العالم واستعمارها واستعباد شعوبها وسرقة ثرواتها والسطو على تاريخها وآثارها، رائدةً للخير وساعيةً إلى المعروف بحق الشعوب وما من مصيبةٍ ولا كارثة أدّت إلى وقوعٍ نزاعات وحروب بين الدول التي كانت محتلةً لها ومستعمرةً إياها بسبب الخلافات على الحدود وتقسيم الأراضي، إلا وكان لهذه الدولة البغيضة يدٌ خبيثةٌ في تلك الخلافات حتى اليوم والتي تتجدد بين الحين والآخر لأنّ إبليس دقّ إسفينهُ فيها.
وحتى في ظل انحسار الدور الخسيس لهذه الدولة الاستعمارية بعدما غربت شمسها- لا أعاد الله لها الشروق من جديد- فإنّ دورها المقترن بتأزيم وتسميم حياة الآخرين ممن تناصبهم العداء، لا يزال قائمًا ويتمظهر بأشكالٍ وأوجه عديدة على أرض الواقع، وفي مقدمة ذلك هذا الدعم الاستخباراتي الكبير لمغول العصر الحديث الصهاينة المجرمين والذي أفضى وعلى نحوٍ كبير وأساسي إلى استمرارية شلال الدمّ النازف في غزّة وبشاعة الإبادة الجماعية التي لم تتوقف لحظةً واحدة، رغم كل الأكاذيب والأضاليل التي يروّج لها كلّ حين بخلاف ذلك، ثم ألا يعتبر ما تقوم به هذه الدولة الاستعمارية من دعم أساسي ومباشر لعصابات الإرهاب الصهيونية ضد الأبرياء والعزل في غزة وغيرها سببًا كافيًا لإعداد الكثير من ملفات الملاحقات القانونية بحق ساسة وعسكريي هذه الدولة وغيرها من الدول الأخرى ذات الدور المماثل جراء هذه الأفعال الإجرامية ضد الإنسان الذي يعادونه على كافة الأصعدة ويلاحقونه بالموت والدمار لمجرد أنه أبى الخضوع لهم والاستسلام لمشيئتهم؟!
ومن منطلق أن الشر لا يلد إلا شرًا مثله أو أبشع منه وفقًا لمبدأ كل إناء بما فيه ينضح رزئ العالم ونُكب بدولة الشر الأكبر في تاريخه التي تسمى أمريكا لتكون وريثة لكل خبث وشرور تلك الإمبراطورية الغاربة بل وتزيد وتتفوق عليها سوءًا وإجرامًا؛ ذلك أنه ما مر يومٌ سعيدٌ على الإنسانية منذ أن أطلت هذه الدولة المارقة بوجهها القبيح على الدنيا، والتي تقوم حياتها واستمرار وجودها على اختلاق الحروب وافتعال الأزمات حتى يبقى العالم في احتراب واصطراع يجعل من كل خيوط التحكم في يدها؛ حيث إن السلام تعده هذه الدولة الشريرة عدوًا لها وكفيلًا بالقضاء عليها، وللمرء أن يتخيل مدى العدوانية التي تحكم أيديولوجية هذه الدولة التي تعتبر كل ما عداها عدوًا لها يتوجب ترويضه، وإن أبى، يتم القضاء عليه!.
توفرت هذه الدولة على كل مقومات القوة والتفوق على غيرها مستخدمة كل طرق الترغيب المخادع والترهيب كي تبقى هي الإمبراطورية الجديدة التي تسيطر على العالم منفردة، وقد كان يلزم في ظل وضع كهذا أن تسعى هذه الدولة إلى إشاعة أجواء السلام في كل العالم كي تبقى هي المسيطرة وذات اليد الطُولى فيه بأقل قدر من الأذى والضرر لغيرها، ولكنها أبت إلا أن تتفرعن وتتخذ من ذلك الشقي الهالك فرعون أنموذجًا لها عندما ادعى – والعياذ بالله-الربوبية دونًا عن الرب الواحد المعبود، متفوقًا بذلك حتى على إبليس ذاته الذي كان أول عاصٍ للواحد الأحد من بين جميع الخلق!
كان يُنتظر من هذه الدولة- التي بات العام كله مكرهًا لا راغبًا، يدين لها بالولاء والتبعية بسبب ما تمتلكه من جبروت ومقومات وقدرات وإمكانات جعلتها تتبوأ موقع القوة والصدارة- أن تعمل على حماية الأمن والسلم الدوليين لا أن تشكل مصدر التهديد الأول لهما كما فعلت من قبل مرات عديدة وكما هي تفعل الآن.
إن الطغيان الأمريكي الذي يصطبغ به وجه هذه الدولة الكريه، هو السمة البارزة لهذه الدولة التي لا يكاد يمر يوم-وبالذات في هذه الآونة-دون أن تتسبب فيه بتعريض استقرار العالم للخطر وإشعال الحروب من أجل تكريس هيمنتها وسعيًا لمزيد من التغول والتدخل في حياة شعوب العالم ودوله، ضاربة عرض الحائط بكل ما كانت تردده من شعارات جوفاء وزائفة عن السلام والأمن والديموقراطية وحقوق الإنسان والرفاه الاقتصادي وغير ذلك من هذه الأباطيل التي انطلت على شعوب العالم الذين كانوا يصفقون لهذه الدولة باعتبارها أيقونة تحتذى في مبادئ التمدن والعصرنة والقيم النبيلة التي ينبغي أن تسود وتحكم مختلف دول المعمورة، ولكنها قلبت ظهر المجَن لكل ذلك، وباتت هي الدولة الأكثر اعتداءً على هذه القيم والمبادئ لتحل محلها شريعة الغاب التي أضحى ينتهجها الكاوبوي الأمريكي في تعاطيه مع غيره من الدول وتعديه الصارخ على حقوق الشعوب في السلام والاستقرار والحياة الكريمة، وما فنزويلا- وهي مجرد مثال واحد فقط- منَّا ببعيد!
ترى ما هو الخير الذي فعلته أمريكا حتى يذكرها به أبناء هذا العالم- وبالذات منطقة الشرق الأوسط- بعدما كانت هي السبب المباشر في تدمير عدة دول مثل العراق وليبيا وسوريا وأفغانستان، والقائمة تطول، وسعيها الدؤوب لتخريب ما تبقى من الدول الأخرى- كإيران في هذه الآونة- بحجة نزع أسلحة الدمار الشامل وتحجيم برنامج الصواريخ البالستية لهذه الدولة، وما إلى ذلك من الادعاءات الكاذبة بزعم تحقيق السلام الذي هو كذبة اخترعتها هذه الدولة مع ربيبتها دويلة الكيان اللقيط إسرائيل وصدقها العرب وشربوا نخبها ليستمروا في سكرهم بلا إفاقة منه حتى الآن!
