الاحتفال بالإنسان البسيط العادي

 

 

 

صاحب السمو السيد/ نمير بن سالم آل سعيد

 

في عالم يحتفل بالشخصيات البارزة والمشاهير ويتتبع أحوالهم ويتداول أخبارهم، ويُحيطهم بهالة من الرفعة والاعتبار، ويمنحهم النياشين والهدايا والامتيازات، تكريمًا وتقديرًا وثناءً، ولا اعتراض على ما حصلوا عليه من عطايا وما نالوه من حظوظ؛ فلهم ما ارتسم لهم من حقيقة محتومة تجسَّدت واقعًا جليًا، فلا طائل من إنكارها أو رفضها، فما بعد القول الفصل قول "رُفعت الأقلام وجفت الصحف".

وإنما ومع كل هذا الاهتمام الموجه إليهم، يجدر بنا أيضًا أن نمنح المزيد من الاهتمام للإنسان البسيط العادي، ولنحتفل به أينما كان إذا ما تفانى وأخلص وضحى في المجتمع ورسخ أثرًا نموذجيًا عميقًا يُحتذى به في محيطه، بشواهد تدل على نبل عطائه وكرم إنسانيته وأصالة معدنه.

هذا الإنسان البسيط العادي الذي يؤدي دوره في المجتمع بهدوء دون إعلان أو صخب، ويعيش يومه بعيدًا عن الأضواء، لا يقف أمام الكاميرات ولا تتصدر صوره المشهد، ولا يسعى لبهرجة، ولا يبحث عن تميز وهمي أو بطولة مصطنعة، في زمن كثر فيه الزيف، وتراجع الانتباه إلى جوهر الأشياء وانصرف الكثيرون إلى قشورها.

يظل هذا على سجاياه، فلا طموحات تستنزفه ولا تطلعات ترهقه، ولا يطارد معاني أكبر من معناه أو مكانة أعلى من مكانته، ولا تستبد به رغبة الاستزادة ولا يغويه الطمع إلى ما هو أكثر وأكثر. يعرف حدود طمأنينته ومتصالح مع نفسه، يعيش بما يكفيه اختيارًا واتزانًا، وليس ضعفًا في الطموح؛ بل فهماً لمعنى الاكتفاء.

لنحتفل به في قناعته وبساطة مشاعره النابضة من القلب وإنسانيته الخالصة التي تصنع الحياة كما هي.. لنحتفل به في نبل عطائه ومبادراته الخيرة وجهوده المستمرة دون انتظار مقابل أو مصلحة شخصية فلا تطلع إلى جوائز أو مكافآت أو ترقيات.

لنحتفل بهؤلاء الناس في استقامتهم وهدوئهم وصبرهم وإذعانهم وحبهم لوطنهم.. لنحتفل بهم في مهنهم البسيطة العادية التي يؤديها بإتقان، ولمساهماتهم المجتمعية المتنوعة التي تمر غالباً دون أن يلتفت إليها أحد.

لنحتفل بهذا الإنسان البسيط العادي بما يحمله من قيم أصيلة دون ادعاء أو مبالغة، وبعطاءاته السخية بإخلاص وود ليجعل العالم أكثر دفئاً وإنسانية ويمنح الحياة توازنها الحقيقي.

هذا الإنسان المُفعم بالإنسانية، والقصة التي لا تُروى، والوجوه التي لا نعرفها، ولكنها حاضرة في كل صفحة من صفحات الواقع، في المدن والقرى وفي الحقول وفي الصحراء والسواحل وعلى مرتفعات الجبال وفي سفوحها، وفي مؤسسات العمل والمساجد والأسواق والمطاعم والمقاهي، ببساطتهم وحركاتهم التلقائية وضحكاتهم الصافية وعفويتهم الإنسانية الصادقة، وهم يعيشون حياتهم الطبيعية الرحبة في محيطهم الذي شاءوا أن يكونوا فيه، وهم القاعدة الأوسع في المجتمع وبهم يستمر نبض الحياة ويثبت الاتزان ويسري للبيوت دفؤها وللأعمال حركتها وللأمكنة رونقها.

لننظر حولنا ولنقدر هؤلاء الناس في تواجدهم معنا، ولنمنحهم التكريم الذي يستحقونه والاحترام الذي يليق بهم، حتى لا تستدرجنا الغوايات إلى غواياتها، ونضِل الطريق عن هؤلاء البسطاء العاديين، فسلامٌ عليهم حين يُمسون، وسلامٌ عليهم حين يُصبحون.

الأكثر قراءة

z