الجثة الاخيرة

 

 

 

محمد بن رامس الرواس

في عالم السياسة، قد تكون الجثة مجرد رقم، لكن بالنسبة لـ"ران غويللي"، الأسير الإسرائيلي كانت جثته هي المتراس الأخير الذي تختبئ خلفه حكومة الاحتلال الإسرائيلي لتجنب استحقاقات السلام والانتقال إلى المرحلة الثانية من الاتفاقية التي وقعت بين المقاومة والكيان الإسرائيلي.

ران غويلي الذي حمل الرقم 255 في قائمة الأسرى (بين أحياء وأموات) لدى المقاومة الفلسطينية منذ السابع من أكتوبر 2023، لم يكن مفقودًا كما ادعى الساسة الإسرائيليون؛ بل كان ورقة محبوسة في أدراج المكاتب بتل أبيب قبل أن تكون تحت تراب غزة.

​ومنذ يوم الجمعة الماضي وحتى من قبل ذلك، بدأت التحركات غير العادية للجيش الإسرائيلي؛ فالمعلومات لديهم عن مكان الجثة لم تأتِ من فراغ، بل نقلها الوسطاء بوضوح من فصائل المقاومة (القسام وسرايا القدس) للجيش الإسرائيلي.

كانت الجثة الأخيرة موجودة في مقبرة البطش بحي التفاح شرق مدينة غزة.

​ولم يكن الأمر مجرد بحث سلمي؛ بل رافقته عملية عسكرية إسرائيلية مسلحة، تخللها إطلاق نار كثيف وتغطية نارية واسعة، ولم تكن هذه النيران لإنقاذ جثة؛ بل كانت ستارًا دخانيًا للتغطية على عملية نبش واسعة طالت عشرات القبور، في محاولة بائسة، لإظهار الأمر كـ"عملية بطولية استخباراتية" وليس مجرد استلام لمعلومات قدمتها المقاومة لإنهاء الملف.

هنا يكمن اللغز الحقيقي كيف انكشف مكان الجثة بسرعة في الفترة الأخيرة هل كانت الاستخبارات الإسرائيلية تمتلك معلومات مسبقة عن مكان جثة "غويللي" منذ فترة طويل؟ لماذا لم يتم البحث عنها حينها، واضح أنه صدرت "أوامر عليا" بتأجيل التنقيب، لكن لماذا المُماطلة؟

الهدف لم يكن عسكريًا؛ بل كان سياسيًا بامتياز، أرادت الحكومة الإسرائيلية تطويل فترة المرحلة الأولى من أجل البقاء في حلقة مفرغة من البحث لإقناع الجمهور الإسرائيلي بأنَّ المهمة لم تنتهِ بعد، والهدف عدم فتح معبر رفح الذي كان الشرط الأساسي للانتقال للمرحلة الثانية وبشكل كامل، وهو ما كان يهرب منه الكيان الإسرائيلي عبر ادعاء وجود ملف "الجثة الأخيرة".

بعد يومين من النبش والبحث المكثف تحت ضغط الوسطاء ووضوح معلومات المقاومة، ظهر جثمان ران غويللي بين جثامين شهداء غزة، وسبحان من جعل الأرض ترفض أن تكون شريكة في هذه المُماطلة؛ فخروج الجثة رقم 255 وهو ما يعني إغلاق الملف بالكامل.

​المقاومة الفلسطينية، التي التزمت بالاتفاق رغم الانتهاكات الإسرائيلية المتكررة، أثبتت أنها أدارت المعركة التفاوضية بنفس كفاءة المعركة الميدانية، لقد سلمت الذريعة الأخيرة التي كان يربط نتنياهو وحكومته بها بانتهاء المرحلة الأولى من الاتفاقية.

ختامًا.. بانتشال جثة غويللي من حي التفاح، انطوت الصفحة الأخيرة من ملف الأسرى والمحتجزين ولم يعد هناك أسير إسرائيلي مفقود ليُعلِّق الاحتلال عليه آماله في المماطلة، والآن، يقف الكيان مكشوفًا أمام استحقاق المرحلة الثانية وأولها فتح المعابر، ووقف العدوان، والالتزام بما وقع عليه. لقد انتهى وقت الذرائع، وبدأت لحظة الحقيقة التي حاول الاحتلال تأجيلها بنبش القبور، لكن الأرض لفظت جثتهم، ولفظت معها كل حججهم الواهية.

الأكثر قراءة

z