ناصر الوبير.. الشاعر المتواضع

 

 

 

د. خالد بن علي الخوالدي

 

دائمًا ما ينجح الشعر في أن يختصر المسافة بين القلوب ويصنع حالة وجدانية لا تنسى، وهذا تماماً ما عشناه في الأمسية الشعرية الاستثنائية التي احتضنها مهرجان صحار الرابع، حين اعتلى المنصة الشاعر ناصر الوبير، فكانت ليلة عامرة بالإحساس وصادقة بالمشاعر وثرية بالحضور الإنساني قبل الجمالي.

لم يقدم الشاعر المتواضع ناصر الوبير قصائد شعرية فقط، بل قدَّم حالة شعورية مكتملة الأركان، تمازج فيها صوت الشاعر مع تفاعل الجمهور، وتلاقت فيها الذائقة الشعرية مع حرارة الاستقبال، وقدم الشاعر إحساسا جميلا بهدوئه المعهود، سرعان ما فرض حضوره بكلمته، فالشاعر الكبير لا يحتاج إلى ضجيج ليُثبت مكانته، بل يكفيه صدق النص ونبل الخلق.

قدَّم ناصر الوبير خلال الأمسية باقة من القصائد المتنوعة، تنقل فيها بسلاسة بين العاطفي والوجداني، وبين ما يُلامس الروح وما يُخاطب العقل، في تنويعٍ راقٍ أرضى مختلف الأذواق، وأكد قدرته على الإمساك بخيوط القصيدة دون تكلف أو ادعاء، وخلال الأمسية عبَّر الشاعر عن ارتياحه الكبير لهذه التجربة، واصفاً إياها بأنها من الليالي التي ستبقى عالقة في ذاكرته طويلاً، لم يكن هذا الوصف مجاملة عابرة، بل شعورا صادقا نابعاً من تفاعل الجمهور اللافت، ذلك الجمهور الذي حضر من مختلف ولايات سلطنة عُمان، ليُؤكد أن الشعر ما زال قادرا على جمع النَّاس حوله، وقد خصَّ الشاعر مدينة صحار بأبيات جميلة، حملت امتنانا واضحا للمكان وأهله، فكان التفاعل معها مضاعفا، وتصفيق الحضور شاهدا على عمق الأثر.

اللافت في هذه الأمسية أن الشاعر أجبر اللجنة المنظمة على تغيير البرتوكول، فبحسب المتبع تعمل اللجنة في كل حفل على مرافقة الضيف إلى مقر الضيافة مباشرة، غير أنَّ الشاعر المتواضع اختار طريقًا آخر؛ طريق القرب من الناس، رفض المُغادرة السريعة وفضل أن يكون بين الجمهور، يتبادل الحديث ويلتقط الصور مع من يرغب، ووسع صدره ووقته للجميع فبعضهم صور معه مقاطع فيديو لحساباته الشخصية، وآخرون طلبوا توقيعه ولم يتذمر أو يستعجل بل كان حاضر القلب، واسع البال، وكأنَّ الأمسية لم تنته بعد بل انتقلت من المنصة إلى المساحة الإنسانية الأرحب.

وخلال وجبة العشاء دار بيني وبينه حديث جانبي لا يخلو من العفوية، بادرته بتصوري السابق عنه من خلال بعض مقاطعه المتداولة، وقلت له إني كنت أراه رجلًا مُحافظًا، فابتسم وقال ما معناه (بعد القصائد الغزلية تظن كذلك). كان الحوار بسيطاً لكنه عميق الدلالة، قلت له إن هذا طبع الشعراء، فوافقني الرأي، مؤكدًا أنه نشأ في أسرة محافظة ويعتز بذلك، وأن الشعر لا يتناقض مع القيم؛ بل يكون امتدادًا راقيًا لها، تلك اللحظة كشفت جانبًا إنسانيًا جميلًا في شخصيته، جانب الصدق والتوازن بين الفن والهوية.

ما شدني أكثر من كل ما سبق، تلك الروح الطيبة التي لم تفارق الشاعر طوال الأمسية وابتسامته الصادقة التي رافقته منذ لحظة الصعود إلى المنصة وحتى مغادرته أرض المهرجان، لم تكن ابتسامة مجاملة، وإنما تنم عن انعكاس لسلام داخلي وشعور بالرضا وتقدير حقيقي للجمهور وللمكان.

لقد أثبت مهرجان صحار الرابع من خلال هذه الأمسية وغيرها، علو كعبه في اختيار المتميزين في الجوانب الثقافية والفنية، واضعاً معايير عالية للجودة والذائقة، ومؤكدا أن الثقافة ليست نشاطا هامشيا، بل ركيزة أساسية في أي حراك حضاري، وكان اختيار الشاعر ناصر الوبير على رأس هذه الأسماء المميزة دليلا واضحاً على وعي اللجنة المنظمة، وقدرتها على تقديم نماذج تحتذى، تجمع بين الإبداع والخلق وبين جمال النص وجمال الروح.

في المحصلة لم تكن أمسية ناصر الوبير مجرد حدث عابر ضمن برنامج المهرجان، بل كانت تجربة إنسانية وشعرية متكاملة، ستظل حاضرة في ذاكرة من عاش تفاصيلها، وتبقى تأكيدًا جديدًا على أنَّ الشاعر الحقيقي هو ذاك الذي يلامس القلوب قبل أن يدهش الآذان، ويترك أثره بأخلاقه قبل قصائده.

الأكثر قراءة

z