السياسة والنجاح والكيان الصهيوني: مواقف رسمية لبنانية متناقضة

 

 

 

جان يعقوب جبور

يُجمِع الخطاب الرسمي اللبناني، منذ قيام الكيان الصهيوني، على توصيف إسرائيل كـ«عدو». هذا الموقف لم يقتصر على الشعارات، بل ثُبّت قانونيًا في اتفاق الهدنة المُوقّع في رأس الناقورة بتاريخ 23 مارس 1949، ثم أُعيد التأكيد عليه في مُقدمة الدستور اللبناني بعد اتفاق الطائف (1989). غير أنَّ المسار العملي للدولة اللبنانية، ولا سيما في السنوات الأخيرة، كشف انفصامًا واضحًا بين النص والمُمارسة، وبين الخطاب السيادي والقرار السياسي الفعلي.

وفي 19 مارس 1978، أصدر مجلس الأمن القرار 425 الذي طالب إسرائيل «بالانسحاب الفوري وغير المشروط من جميع الأراضي اللبنانية». وبعد الاجتياح الواسع عام 1982، توالت القرارات الدولية (508، 509، 520)، من دون أن تلتزم إسرائيل بها. ورغم انسحابها الأحادي عام 2000، أكدت الأمم المتحدة في تقرير الأمين العام الصادر في 22 مايو 2000 (S/2000/460) استمرار الاحتلال في مزارع شبعا وتلال كفرشوبا. لاحقًا، جاء القرار 1701 في 11 أغسطس 2006 ليضع إطار وقف الأعمال العدائية بعد حرب تموز. ومنذ ذلك التاريخ، وثّقت تقارير الأمين العام للأمم المتحدة خروقات إسرائيلية شبه يومية. ففي تقرير S/2022/740، أُشير إلى أكثر من 22 ألف خرق جوي إسرائيلي للأجواء اللبنانية منذ 2006 حتى عام 2022، في انتهاك مباشر للقرار 1701. ويستمر هذا الوضع حتى يومنا مع عدد خروقات يصل إلى أكثر 2300 خرق (المرصد اللبناني للسياسات) منذ إعلان وقف إطلاق النار مع الكيان الصهيوني في 8 تشرين الأول 2023 مع فشل كل المحاولات الدبلوماسية لوقف هذا العدوان.

ترسيم 2022: نجاح أم تسوية مفروضة؟

ورغم هذا السجل، قدّمت السلطة اللبنانية اتفاق ترسيم الحدود البحرية مع إسرائيل، الذي أُعلن رسميًا في 27 أكتوبر 2022، بوصفه «إنجازًا تاريخيًا». قال رئيس الجمهورية آنذاك ميشال عون حرفيًا في بيان رسمي بتاريخ 11 أكتوبر 2022: «لبنان حصل على كامل حقوقه البحرية دون أي تنازل، وهذا الاتفاق انتصار للبنان». لكن في اليوم نفسه تقريبًا، صرّح الوسيط الأمريكي آموس هوكستين لقناة CNN أن الاتفاق يكفل استقرار وأمن منشآت الغاز البحرية لإسرائيل: Ensures stability and security for Israel’s offshore gas facilities”.” أي أن ما وُصف داخليًا كـ«نصر سيادي»، قُدّم خارجيًا كضمانة لأمن منشآت الطاقة الإسرائيلية، لا سيما حقل كاريش الذي بدأت إسرائيل الاستخراج منه في أكتوبر 2022. أما رئيس الحكومة نجيب ميقاتي، فقال في مقابلة رسمية بتاريخ 27 أكتوبر 2022: «هذا الاتفاق تقني ولا يحمل أي شكل من أشكال التطبيع».

غير أن الأمم المتحدة نفسها، في بيان الترحيب الصادر عن المنسق الخاص للبنان في 28 تشرين الأول 2022، اعتبرت الاتفاق «خطوة لتعزيز الاستقرار الإقليمي»، من دون أي إشارة إلى الحقوق السيادية اللبنانية أو إلى استمرار الاحتلال البري.

خطابات نيويورك ووقائع الجنوب

في 26 سبتمبر 2023، قال وزير الخارجية اللبناني السابق عبدالله بو حبيب أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة: «إسرائيل تنتهك السيادة اللبنانية يوميًا، ولبنان يحتفظ بحقه المشروع في الدفاع عن أرضه». غير أن هذا الخطاب لم يُترجم إلى خطوات قانونية، كطلب رأي استشاري من محكمة العدل الدولية، على غرار ما فعلته دول أخرى، ولا إلى تفعيل الشكاوى المودعة أصلًا لدى مجلس الأمن. وتُظهر مراجعة وثائق الأمم المتحدة أن غالبية الرسائل اللبنانية تبقى في إطار التوصيف، من دون طلب إجراءات تنفيذية. والسؤال هنا هل تنفع الدبلوماسية السياسية والقرارات الأممية لردع العدوان الصهيوني على لبنان؟

ازدواجية مُقنِعة… لكنها مُكلفة

في المقابل، تُظهر محاضر لقاءات غير منشورة، وتسريبات دبلوماسية نُقلت عن مبعوثين أمريكيين، أن مسؤولين لبنانيين يكررون منذ عام 2019 مقولة أن «لبنان لا يحتمل أي مواجهة»، وأن الأولوية هي «الاستقرار»، حتى لو جاء ذلك على حساب تثبيت معادلة ردع واضحة. هكذا، يُعاد تعريف «النجاح السياسي» في لبنان: ليس بمدى تطبيق القرارات الدولية على إسرائيل، بل بمدى التكيّف اللبناني مع خرقها المستمر لها. هنا تظهر الازدواجية السياسية للغرب بالتعامل مع لبنان وسياسته ودعم استمرار العدوان.

دولة بلا سياسة

المعضلة ليست في اختلاف الآراء، بل في غياب سياسة دولة موحّدة. فبين دستور يكرّس العداء، وقرارات أممية غير مطبّقة، واتفاقات تُسوَّق كإنجازات رغم اختلال ميزان القوى، وأحزاب طائفية متناقضة سياسياً ووطنياً يعيش لبنان تناقضًا بنيويًا يُضعف موقعه التفاوضي، ويُريح خصمه. في السياسة، لا يمكن بناء دولة على خطابين متناقضين: أحدهما للاستهلاك الداخلي، وآخر لطمأنة الخارج؛ فإما أن يكون العداء لإسرائيل خيارًا سياديًا حقيقيًا، تُبنى عليه الاستراتيجيات والقرارات، وإما أن تُصارح السلطة شعبها بحقيقة ما تعتبره «نجاحًا». أما الاستمرار في هذا الالتباس، فلن يُنتج سوى مزيد من الهشاشة، ومزيد من الانكشاف ومزيد من التحيز الحزبي والطائفي على حساب لبنان وشعبه وإضعافه أمام أعدائه.

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z