توطين الصناعات العُمانية قبل جلب الاستثمارات

 

 

 

 

د. أحمد بن علي العمري

 

سلطنة عُمان بلد غني جدًا بالموارد الطبيعية ولله الحمد والمنّة، وهي موارد وهبها الرحمن، ولله الشكر والثناء، وما هذه الجبال والأودية والسهول وحتى الصحاري إلا دليل على ذلك. فلَدينا المعادن بجميع أنواعها، وحتى بدرجة نقاوة عالية وكبيرة على التصنيف العالمي، ولدينا الزراعة والأسماك والأفلاج والعيون، وحتى ما تتطلبه الصناعات الغذائية والدوائية وشتى الصناعات الأخرى، بالإضافة إلى ما نتمتع به من نعمة الأمن والأمان والاستقرار بفضل السياسة الحكيمة المعتدلة والمتوازنة التي تنتهجها القيادة العُمانية بكل تميز. وهذا الجانب يعتبر وزنًا من العيار الثقيل في الميزان التجاري سواء كان ذلك داخليًا أو خارجيًا.

فلماذا نلهث خلف المستثمرين ونقبل صاغرين بجميع شروطهم، ونحن نعلم ونعرف أن أهدافهم الحصول على أراضٍ مجانية كما صرّحوا بذلك سابقًا، وإعفاءات شاملة من الرسوم المستحقة سواء كانت ضريبية أو جمركية أو غيرها؟ وفي الأخير فإنَّ هذا المستثمر سوف يعود بأصوله وما يجنيه من أرباح من بلادنا إلى قواعده الأصلية، ولم ننل نحن إلا الفتات أو النذر اليسير.

بينما عندما نوطن الصناعات فإننا سنضمن ديمومة أصولها وكل ما تنجزه وتَجنيه وتربحه، وسوف تبقى للبلد ولساكنيها الأصول والحقوق والأرباح الكاملة، إضافة إلى أن نسبة التشغيل التي تكاد أن تكون فيها كاملة.

إن توطين الصناعات في عُمان يجب أن يكون استراتيجية وطنية مهمة لتحقيق التنوع الاقتصادي المستدام وتعزيز القيمة المحلية المضافة، حيث يتطلب أن يكون توطين التصنيع هو الأساس الذي يُبنى عليه والهدف الأول الذي يُسعى إليه، ولا بأس أن يكون جلب الاستثمارات أداة لتحقيق هذا الهدف وليس العكس.

وبنظرة متعمقة إلى أولوية التوطين قبل جذب الاستثمارات، وكيف يمكن أن تتم هذه العملية بشكل متكامل:

أولًا: لماذا التركيز على التوطين؟

  1. السيادة الاقتصادية والأمن الوطني، حيث يتم بناء قاعدة صناعية وطنية تحمي الاقتصاد المحلي من التقلبات العالمية وتضمن توفير السلع الأساسية والاستراتيجية.
  2. تعظيم الفائدة من الموارد المحلية المتوفرة، كتحويل المواد الخام (مثل النفط والغاز والمعادن والزراعة والأسماك وغيرها) إلى منتجات مصنّعة ذات قيمة أعلى بدلًا من تصديرها خامًا.
  3. خلق فرص عمل حقيقية؛ حيث إن هذه الصناعات تخلق وظائف في مجالات الهندسة والتشغيل والتصنيع والكهرباء والميكانيكا وغيرها، وتطور مهارات عملية تبقى داخل البلاد، بالإضافة إلى المهام الإدارية التي يمكن أن يقوم بها العُمانيون بكل سهولة ويسر.
  4. تنمية سلسلة من الإمدادات المحلية من الموردين والمصنّعين المساندين، الأمر الذي يقوي النسيج الاقتصادي لتحقيق الهدف المبتغى والمطلوب.
  5. جذب استثمارات نوعية ومحددة، فحينما تكون هناك بنية أساسية صناعية ومهارات محلية ستجذب استثمارات متقدمة وشركات استراتيجية، وليس أي مستثمر يبحث عن الربح السريع والإعفاءات الضريبية وغيرها.

ثانيًا: كيف يمكن تطبيق استراتيجية التوطين أولًا؟

1. تحديد الأولويات والقطاعات المهمة:

- صناعات تعتمد على الموارد المحلية مثل تكرير البتروكيماويات وصناعة الألومنيوم وتحويل المعادن والأسمدة، وكذلك تحويل المنتجات الزراعية والسمكية، ويمكن حتى الصناعات السياحية والبيئية.

- صناعات مرتبطة باحتياجات السوق المحلية والإقليمية مثل الأدوية والمواد الغذائية ومواد البناء والتعبئة والتغليف.

- صناعات المستقبل مثل الهيدروجين الأخضر والطاقة المتجددة وتقنيات تحلية المياه.

2. بناء البنية الأساسية والتمكين التشريعي:

- تطوير المناطق الصناعية المتخصصة (الدقم وصلالة وصحار والرسيل وغيرها) بتجهيزات عالية الجودة.

- توفير مراكز للبحث والتطوير وربطها مع القطاع الصناعي.

- سن قوانين وتشريعات تحمي الصناعات الناشئة وتشجع على استخدام المنتج المحلي، مثل نسب إلزامية في المشاريع الحكومية والخاصة الكبيرة.

3. تطوير رأس المال البشري:

- توجيه المناهج التعليمية والتدريبية في الجامعات والكليات التقنية لتتوافق مع احتياجات القطاع الصناعي.

- إطلاق برامج تدريبية مشتركة بين الحكومة والقطاع الخاص.

4. تمويل التوطين:

- توجيه صناديق التنمية الوطنية مثل جهاز الاستثمار العُماني لتمويل مشاريع التصنيع المحلي.

- تحفيز القطاع الخاص العُماني عبر قروض ميسرة وضمانات.

ثالثًا: دور الاستثمار الأجنبي في هذه الاستراتيجية

بعد وضع أساس قوي للتوطين يصبح جلب الاستثمارات مكملًا ومعززًا وليس بديلًا:

- الاستثمار كشريك تقني: مثل شركات عالمية لتنقل التقنية والخبرة وليس فقط رأس المال.

- الاستثمار للوصول للأسواق العالمية: اختيار مستثمرين يمتلكون قنوات توزيع عالمية لفتح أسواق عالمية للمنتج العُماني.

- الاستثمار في مجالات تحتاج خبرة عالمية: مثل الصناعات الدوائية والتكنولوجيا المتقدمة.

- ربط الاستثمار بالمكون المحلي: يمكن أن تشترط الاتفاقيات على نسب تدريب وتوظيف محلية متدرجة.

رابعًا: التحديات والحلول

من الطبيعي أن يكون لكل عمل كبير العديد من التحديات والمعوقات، ولكن هناك حلول، فلا توجد مشاكل بدون حلول، وإلا فما هو دور الإدارات؟ ومن الطبيعي أن تتغلب الإدارة والعزيمة والإصرار على أي معوق يعترض الطريق.

- مثلًا لو قلنا إن التحدي مع الواردات الرخيصة، فإنَّ حلها فرض رسوم حمائية على السلع المستوردة ولو كانت بشكل مؤقت لضمان الجودة التنافسية.

- ولو قلنا إن التحدي هو نقص الخبرات المحلية في البداية، فإن الحل يكمن في إيجاد برامج نقل معرفة إلزامية مع الاستثمارات الأجنبية، وضرورة استقدام خبراء مؤقتًا يتم استبدالهم بعُمانيين لاحقًا.

- أما إذا كان التحدي هو محدودية السوق المحلي، فإن الحل هو التوجه للتصدير من البداية والاستفادة من اتفاقيات التجارة الحرة التي وقعتها السلطنة سابقًا.

وعليه فإن الشعار يتطلب أن يكون البناء من الداخل أولًا، والانفتاح على الخارج بشكل استراتيجي.

إن سلطنة عُمان لديها فرصة ذهبية، وأرجو ألا تضيعها لتحويل رؤيتها الاقتصادية إلى حقيقة من خلال جعل التوطين هو المحور الأساسي.

إن هذا النهج سيحقق بكل تأكيد أهداف رؤية "عُمان 2040" في التنوع الاقتصادي وخلق فرص العمل وتعزيز الصادرات غير النفطية، وخلق اقتصاد منتج وقادر على المنافسة.

وأخيرًا.. فإننا نعيش عصر النهضة المتجددة التي يقودها بكل حكمة واقتدار مولانا حضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم -حفظه الله ورعاه-، الذي قاد عُمان في أحلك ظروفها الاقتصادية المتعثرة من ديون وغيرها، وعلى الرغم من أنه واجه في بداية حكمه ظروف كورونا وتهاوي أسعار النفط، إلا أنه وصل بها ولله الحمد إلى بر الأمان بكل سلام. وقد رأينا انخفاض الديون وتحقيق الأرباح وزيادة الوفورات وتحسن شامل للاقتصاد في أقل من ست سنوات، وهو عمر قصير جدًا في حياة الأمم والشعوب.

وفي المراسيم السلطانية الأخيرة، فقد أُنشئ منصب نائب رئيس الوزراء للشؤون الاقتصادية، على رأسه صاحب السُّمو السيد ذي يزن بن هيثم آل سعيد الموقر، ولا شك أن هذا سوف يجعل الاقتصاد العُماني يندفع بعجلاته الأربع كاملة بكل تأكيد، وربما بالدفع الرباعي أيضًا إن شاء الله بإذن رب العالمين.

حفظ الله عُمان وسلطانها وشعبها.

الأكثر قراءة

z