وداد الاسطنبولي
التبادل الثقافي بين الأشقاء ليس شعارًا، بل هو مُمارسة حيّة تتجسّد في الحوار، والاختلاف، والتنوّع بين زوايا الفكر. كوني من سلطنة عُمان، اندمجتُ عبر التواصل الاجتماعي في جروب الكتابة الإبداعية شغفنا بالمملكة العربية السعودية. هذا التواصل الذي سبق أن تحدّثت عنه في مقال، وكان ذلك في بدايات انضمامي له، أُشيد به اليوم من جديد؛ لأنه خرج من دائرة الانضمام إلى دائرة القُرب، والعائلة، والأخوّة.
لقد أكّدت لي التجربة الثرية التي استمددتُها من هذا الجروب أنَّ التبادل الثقافي بين الأشقاء العرب يحمل خلفيات ثقافية متنوّعة، تتجلّى من خلال الحثّ الذي يقوم به مؤسس الجروب والمنظّمون القائمون عليه في مجالات التمكين، والتنمية، والتحفيز، والإبداع، وكل إضاءة تُنير درب الفكر، وتصقل الموهبة، وتعزّز جوهر الكتابة في مختلف المجالات الأدبية.
في الورشة النقدية التي أقامها المدرّب والمؤسس خلف القرشي، والتي جمعتنا حول القصص المكثّفة، ولا سيما «السفرجلة اليابانية» و«عندما نفهم»، لم نكن أمام نصوص قصيرة فحسب، بل أمام عوالم كاملة قُدِّمت بأقل عدد ممكن من الكلمات، وبأكبر قدر ممكن من الدهشة.
وقد تميّزت هذه الورش بأنَّ القرشي لم يكتفِ بقراءة النص فقط، وإنما عمل على تفكيكه بوعي: كيف تُبنى الفكرة؟ وأين يختبئ الرمز؟ ولماذا تصمت القصة في موضع، وتتكلّم بقوة في موضع آخر؟
علّمنا أنَّ التفاصيل الصغيرة قد تكون مرآة لانكسار داخلي، وكيف يُمكن لقصة قصيرة أن تعبر الأزمنة والثقافات؛ لأنَّ مشاعر الإنسان واحدة، وإن اختلفت البيئات، وذلك من خلال قصة "السفرجلة اليابانية" للأديب جون جالزورثي.
أما في قصة "عندما نفهم"، فقد أخذنا إلى فكرة أن الإدراك المتأخر تجربة إنسانية يشترك فيها القارئ العربي أينما كان، من الخليج إلى المحيط، وأن الصراع هو لبّ الموضوع.
وفي قصة "مطالب" للكاتبة الأمريكية جريس بالي، تتجلّى رسالة مفادها أنَّ الإنسان يحمل رغبات ومطالب، لكنه أحيانًا لا يفصح عنها، وقد يتحوّل هذا الصمت إلى خسارة.
هذا النوع من النقد لم يُمارَس من برجٍ عالٍ، بل عُرض عبر "الزووم" بروح تشاركية، وهو ما لمستُه بوضوح في هذا الجروب الأدبي السعودي النشط، الذي فتح لنا مسارات متعددة للفهم، ويمنح الكاتب شعورًا نادرًا:
أن النص يُقرأ بجدّ، ويُناقَش باحترام، ويُؤخذ بوصفه تجربة قابلة للنمو والاستدامة.
الأهم من ذلك أنَّ هذه الورش تصقل الأفكار، لا عبر فرض رأي، بل من خلال تنويع زوايا النظر، وتدريبنا على السؤال قبل الحكم، وعلى الإصغاء للنص لا إسقاط ذواتنا عليه. وهنا تتحوّل المتعة من متعة كتابة فقط، إلى متعة قراءة واعية ونقد حيّ.
ولا يمكن إغفال دور هذا الجروب في المسابقات الأدبية التي يحرص على تشجيعها؛ إذ تختبر المهارة، والصبر، والانضباط، والقدرة على تطوير النص بعد النقد، تصقل المهارات، وتشجّع الأصوات الجديدة، وتؤكّد أن الإبداع العربي حين يتكامل يصبح أقوى وأكثر حضورًا.
باختصار، هذا الجروب لا يقدّم نشاطًا أدبيًا عابرًا، بل يساهم في بناء كاتبٍ أكثر وعيًا، وقارئٍ أكثر حساسية، ونقدٍ أكثر إنسانية.
ما يميّز هذا الجروب أنه لا يحتفي بالنص فقط، بل يحتفي بالقارئ والناقد، ويمنح الجميع مساحة آمنة للتعبير دون تصنيف أو إقصاء. النقد هنا ليس منافسة، بل تعاون، وليس تقليلًا من الجهد، بل ارتقاء به.
هذا الجروب جعلني أؤمن أن الأدب أحد أنبل أشكال الوحدة العربية؛ وحدة لا تقوم على الجغرافيا، بل على اللغة، والإنسان، والرغبة الصادقة في الفهم.
كل الشكر والامتنان لهذا الجروب الذي فتح أبوابه للأشقاء العرب، وأثبت أن الثقافة حين تكون صادقة تتّسع للجميع، فقد أعاد لي ترتيب علاقتي مع الكتابة نفسها.
تعلّمت من هذه الورشة أن الصمت في السرد قد يكون أبلغ من الشرح إذا وُضع في مكانه الصحيح، وأصبحتُ أكثر وعيًا بالاقتصاد اللغوي، وأنَّ الأدب حين يجمعنا يمنحنا فرصة نادرة لنكتب بوعي أعمق وإنسانية أصدق.
