"فُرضة" مطرح.. قراءة في التوظيف السياحي للتراث

 

 

 

أنور الخنجري

alkhanjarianwar@gmail.com

 

 

يمثّل ميناء مطرح القديم، أو ما كان يُعرف بـ "الفُرضة"، أحد أهم الشواهد المادية على التَّاريخ البحري والتجاري لعُمان؛ إذ كان عبر قرون طويلة مركزًا حيويًا شكّل بوابة عُمان البحرية، وأسهم في إدماجها ضمن شبكات التجارة في المحيط الهندي. ومنه انتعشت المدينة، وازدهر سوقها، وتدفّقت السلع بين الساحل والداخل. وحول هذا الميناء نشأت مخازن لعبت دورًا محوريًا في الدورة التجارية، من تخزين السلع إلى إعادة توزيعها محليًا أو تصديرها. وتمثّل هذه البنية المكانية – الميناء، والمخازن، والسوق – وحدة تاريخية متكاملة يمكن استثمارها سياحيًا بطريقة تحافظ على هوية المكان وتحوّله إلى تجربة ثقافية حيّة.

إن القيمة الحقيقية للمكان لا تكمن في مبانيه وحدها، بل في قصته؛ قصة الناس والمكان، وقصة الربط بين البحر والداخل، بين السفينة والسوق، وبين التاجر والحِرفي والمستهلك. إن غياب التوظيف الذكي لهذا الموقع، يفوّت فرصة حقيقية لتحويله إلى تجربة ثقافية حيّة، تجربة تقوم على مشروع سياحي ينطلق من السرد التاريخي للمكان، لا أن تُفرض عليه أنشطة منفصلة عن هويته المكانية.

وتُعدّ المخازن التاريخية الملحقة بالميناء التي تعرف محلياً بـ "البخاخير" مثالًا واضحًا على هذه الفرصة الضائعة. فبدل بقائها مهملة أو محدودة الاستخدام، يمكن أن تتحول إلى فضاءات حيّة أو مساحات عرض تفاعلية تروي تاريخ التجارة البحرية العُمانية. متاحف صغيرة، مرافق ثقافية، معارض للحِرف التقليدية، نُزل صغيرة، أو مقاهٍ عُمانية تحاكي مقاهي زمان؛ كلها خيارات تحافظ على الوظيفة الأصلية للمكان بلغة معاصرة. ويعزّز هذا النوع من السياحة، القائم على التجربة والمعايشة، ارتباط الزائر بالمكان، ويمنحه ذاكرة حيّة تتجاوز الزيارة العابرة.

ومن أهم عناصر الاستغلال السياحي الناجح إنشاء مسار سياحي واضح يبدأ من موقع الميناء القديم "الفُرضة"، ويمرّ بالمخازن، وينتهي في سوق مطرح، مرورًا بمكتب والي مطرح القديم (البرزة)، مع إعادة النظر في إعادة بنائه على هيئته السابقة، وإبراز دوره التاريخي بما يستحق من اهتمام. هذا المسار لا يقدّم للزائر تجربة مشاهدة فقط، بل يروي حكاية السلعة منذ وصولها بالسفينة، مرورًا بتخزينها، وانتهاءً بعرضها في السوق أو إعادة تصديرها. وبهذا يتحوّل التجوّل في المدينة إلى سرد تاريخي بصري يعكس دور مطرح في الربط بين البحر والداخل العُماني.

غير أن التحدي الأكبر لا يكمن في الأفكار بقدر ما يكمن في تحقيق التوازن بين الاستثمار والحفاظ على الهوية. فخطر تحويل المواقع التراثية إلى فضاءات تجارية استهلاكية قائم دائمًا، وهو ما يفقد المكان روحه. لذلك فإن احترام الطابع المعماري والتاريخي للموقع، وإشراك المجتمع المحلي، والحِرفيين، وأصحاب المعرفة التاريخية، ليس خيارًا ثانويًا، بل شرطًا أساسيًا لنجاح أي مشروع مستدام.

إن تحويل ميناء مطرح القديم والمخازن الملحقة به إلى فضاء سياحي ثقافي متكامل لا يعني إعادة اختراع المكان، بل إعادة قراءته. فالمكان جاهز، والتاريخ حاضر، وما ينقصه هو رؤية واعية ترى في التراث موردًا حيًا لا عبئًا، وفي السياحة الثقافية استثمارًا طويل الأمد لا نشاطًا عابرًا. ولعل الوقت قد حان لأن ينتقل هذا الموقع من كونه ذاكرة صامتة إلى منصة تحكي تاريخ المدينة، وتمنح الزائر تجربة أصيلة، وتعيد للمكان دوره بوصفه نقطة التقاء بين الماضي والحاضر. فالميناء الذي كان يومًا بوابة للتجارة، يمكن أن يصبح اليوم بوابة للمعرفة، يروي للزائر قصة مدينة صنعها البحر، وحفظتها السوق، وما زالت ذاكرتها حيّة في المكان.

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z