التفاؤل ليس عيبًا

 

 

د. محمد بن خلفان العاصمي

قد يبدو العنوان غريبًا نوعًا ما، لكنه واقع بِتْنَا نُعايشه بشكل يومي، خاصة مع وجود وسائل التواصل الاجتماعي وانتشارها بشكل عام لدى جميع الناس، وسهولة التعاطي معها دون تعقيد، وهي عامل مؤثر في تشكيل آراء الأفراد ووجهات نظرهم وانطباعاتهم، وبالتالي تكوين الصور الذهنية لديهم حول الأحداث والوقائع والمواقف بمختلف أنواعها، ورغم أن هذه الوسائل سهلت من الوصول إلى المعرفة بطريقة مُيَّسرة للغاية، إلّا أن هذه الوسائل محكومة بطريقة استعمالها من الافراد.

وحتى لا يتحول الحديث عن وسائل التواصل الاجتماعي؛ فهي ليست المتهم الوحيد فيما تُعانيه المجتمعات والأفراد من سلبية مفرطة ونظرة تشاؤمية، فهناك عوامل كثيرة أدت إلى ذلك وشكَّلت جميعها السياق العام الذي بتنا نشاهده على الواقع، لدرجة أن المتفائل أصبح لزامًا عليه أن يُبرِّر سبب تفاؤله ونظرته الايجابية، رغم أننا كمسلمين قد حثنا ديننا الحنيف على ذلك ونهانا عن اليأس والطيرة ووعد الله تعالى بأن مع العسر يسرًا وان المؤمن أمره عجيب وكله خير فإن أصابته سراء شكر وإن أصابته ضراء صبر.

إن التفاؤل والإيجابية عبادة قلبية عظيمة تُربِّي المسلم على طاعة الله تعالى والرضا بما قدره له من أمور دنيوية، وهي مدخل مهم جدًا لتحقيق الصحة النفسية التي ميَّزت اتباع الدين الإسلامي عن غيرهم من الناس، فالرضا والتفاؤل والتوكل والإيجابية مفاتيح السعادة والخير، فالله تعالى يقول "وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ" (الطلاق: 3)، وهذا ما يُعرف في علم النفس بإعادة البناء المعرفي؛ حيث يُعيد الإنسان ترتيب وتحويل الأفكار السلبية إلى تفسيرات أكثر واقعية وإيجابية، مما يُخفِّض منسوب القلق والاكتئاب، ولذلك يمنح الإيمان إطارًا تفسيريًا مطمئنًا للأحداث بدل التفكير الكارثي، وعندما يقول الرسول صلى الله عليه وسلم (عجبًا لأمر المؤمن…) إلى آخر الحديث، فهنا ما يعرف في علم النفس بالصلابة النفسية والقدرة على مواجهة الصدمات وعدم الوقوع في الاكتئاب والقلق والاضطرابات النفسية التي تنشأ من الصدمات.

لقد اعاد الإسلام بناء الإنسان المسلم وفق منهج يجنبه الانحراف النفسي والسلوكي ويقيه من الاسباب التي تؤدي إلى ذلك، ولذلك علينا أن نحرص دائمًا على أن نجنب أنفسنا الوقوع في دائرة السلبية والسلبيين؛ حيث إن هذه السلوكيات تنتقل بالعدوى ويتأثر الإنسان بها وتنعكس على حياته بشكل كبير وسريع وتؤثر على مستوى تعاطيه مع الظروف المحيطة وتخلق في داخله حالة من الإحباط والقلق والتوتر والانفعال الشديد والسريع وتنشأ لديه سلوكيات وردود أفعال غير متزنة تعكس حالة من عدم الاستقرار النفسي، يقول الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم (إِنَّما مثَلُ الجلِيس الصَّالِحِ وَجَلِيسِ السُّوءِ: كَحَامِلِ المِسْكِ، وَنَافِخِ الْكِيرِ، فَحامِلُ المِسْكِ إِمَّا أَنْ يُحْذِيَكَ، وَإِمَّا أَنْ تَبْتَاعَ مِنْهُ، وَإِمَّا أَنْ تَجِدَ مِنْهُ ريحًا طيِّبةً، ونَافِخُ الكِيرِ إِمَّا أَن يَحْرِقَ ثِيابَكَ، وإمَّا أَنْ تَجِدَ مِنْهُ رِيحًا مُنْتِنَةً).

التفاؤل ليس عيبًا؛ بل هو أصل الفطرة السليمة، ونموذج اكتمال الصحة النفسية للإنسان، فلا تقلق ممن يتهمونك بالتفاؤل والإفراط في الايجابية، ولا تحفل بمن يصنفك من المخدوعين المغشاة عيونهم عن الحقيقة، ولا تهتم بمن يرميك بالطيبة والغفلة والتطبيل احيانًا، فمرضى التشاؤم وأرباب السلبية يودون لو تكون مثلهم، ولا يملكون سوى انتقاء النواقص من الصورة الجميلة لإظهار عيوبها رغم ما تملكه من جمال؛ فهؤلاء مبتلون بحالهم ومقيدون بواقع قاتم يحيط بهم فلا يملكون إلا النقد السلبي واقتفاء النواقص وتضخيم الأخطاء.

وهناك أمر مهم جدًا لا بُد من الانتباه إليه وهو أن النقد لا يؤخذ بمجمله على السلب؛ فالنقد مطلوب للتحسين والتطوير والنمو، وهو من أساسيات النجاح عندما يبنى على أساس صحيح، ويبتعد عن التجريح والرأي المرسل غير المستند إلى اثبات او ارقام او حقائق علمية، أو لم يتبع فيه الاساس الصحيح ودون تقديم حلول، وهذا ما يجب أن يكون عليه النقد إن كانت الغاية منه تحقيق مصلحة المجتمع، وهو ما حث عليه المولى عز وجل "وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ" (العصر: 3)، وعلينا أن نمارس النقد الهادف وأن نتفاءل بالخير، وأن نعظم المنجزات ونقدر المنجزين ونتغاضى عن الأخطاء البسيطة، وأن نتكاتف جميعًا من أجل مجتمعاتنا وأوطاننا.

إنَّ المرحلة المقبلة تتطلب منا الوعي بما يُحيط بنا من أحداث، وأن نقف صفًا واحدًا لخير وطننا وأنفسنا، وأن نتحلى بالإيجابية والتفاؤل والثقة بمن يعمل على تحقيق طموحاتنا، وأن نتصدى للمتشائمين الناقمين لكي لا يهدموا البناء الاجتماعي، وينشأ جيلٌ لا يُقدِّر ما بين يديه، ويقارن دون معرفة، ويُصنِّف بجهلٍ، ولا يُعلي قيمة الوطن.

الأكثر قراءة

z