خالد بن أحمد العامري
تشهد محافظة ظفار في السنوات الأخيرة تغيرات مناخية ملحوظة، أبرزها انخفاض معدلات الأمطار الموسمية وازدياد فترات الجفاف، وهو ما انعكس بشكل مباشر على الغطاء النباتي الذي تمتاز به جبال المحافظة وسهولها، والمعروفة محليًا بـ"الجربيب"، وهذه التحولات البيئية تدق ناقوس الخطر حول مستقبل واحدة من أكثر البيئات العُمانية تفردًا وحساسية.
لم تكن قضية التصحر في ظفار غائبة عن دائرة الاهتمام الرسمي والعلمي منذ سبعينيات القرن الماضي. فقد رصدت الحكومة مبكراٍ مظاهر تدهور المراعي الطبيعية، خاصة بعد حرب ظفار (1965- 1975) وما خلفته من آثار بيئية عميقة. ومنذ ذلك الحين، عُقدت العديد من الندوات العلمية التي تناولت الظاهرة، ومن أبرزها الندوة الأولى حول التصحر في جبال ظفار في عام 1977- إن لم تخن الذاكرة- بفندق "هوليدي إن" بصلالة (كراون بلازا حاليًا)، والتي حظيت بمباركة سامية من المغفور له بإذن الله السلطان قابوس بن سعيد- طيب الله ثراه. وقد شارك في تلك الندوة عدد من مراكز البحوث والمنظمات الدولية والجهات الحكومية والمجتمع المحلي، وناقشت الندوة حينها جذور المشكلة وسبل الحد منها من منظور علمي وبيئي متقدم لزمنه.
وعلى الرغم من سلسلة الندوات واللقاءات التي تلت ذلك، ورغم تعدد المبادرات المجتمعية والرسمية، فإن معظم التوصيات لم تجد طريقها الكامل إلى التنفيذ، وظل تشتت الاختصاصات بين الجهات الحكومية عائقا أمام تحقيق نتائج مستدامة.
ومع تفاقم مشكلتي الرعي الجائر والزحف السكاني، تدهورت النباتات الطبيعية وتآكل الغطاء الترابي، وبدأت ملامح التصحر تظهر في مناطق كانت خضراء على مدار العام. وإذا لم يُتدارك الوضع، فقد نجد أنفسنا أمام معضلة بيئية يصعب علاجها لاحقًا؛ إذ بدأ زحف التصحر فعلًا من الشمال (القطن) ومن الشرق والغرب، وقد يؤدي هذا الزحف- إن استمر- إلى عزل الغطاء النباتي لسلاسل جبال ظفار عن بعضها، مما يقطع الترابط البيئي بين البيئات الجبلية ويهدد استقرارها الطبيعي.
هذه التطورات تستدعي إعادة النظر في إدارة هذا الملف البيئي الحيوي، وفق إطار مؤسسي موحد قادر على التخطيط والتنفيذ والمتابعة بكفاءة عالية.
ومن هنا تبرز الحاجة إلى إنشاء كيان وطني موحد تحت مسمى «المركز الوطني لمكافحة التصحر» يتولى هذا المركز إعداد الاستراتيجية الوطنية لمكافحة التصحر، والإشراف على برامج التشجير، وتنظيم الرعي، ومراقبة التغيرات البيئية والمناخية باستخدام التقنيات الحديثة، إضافة إلى التنسيق بين مختلف الجهات ذات العلاقة لضمان تكامل الجهود وتوحيد الرؤى.
وانطلاقًا من الترابط الطبيعي بين البيئة والقطاع الزراعي والمائي، نقترح إعادة هيكلة القطاع المسؤول عن هذه الملفات، وذلك من خلال إعادة هيكلة وزارة الثروة الزراعية والسمكية وموارد المياه، عبر فصلها إلى وزارة وهيئة مستقلة، ودمج هيئة البيئة ضمن الوزارة الجديدة تحت مسمى: وزارة الزراعة والبيئة وموارد المياه. وتُعنى هذه الوزارة بإدارة الأمن الغذائي، وحماية الموارد الطبيعية، وصون البيئة، وضمان الاستدامة المائية، بما يعزز التكامل بين القطاعات الحيوية ضمن رؤية تنموية مستدامة. وفي المقابل، يتم إنشاء هيئة عامة مستقلة للثروة السمكية تتولى تطوير هذا القطاع الحيوي وتنميته.
إن هذا المقترح لا يستهدف مجرد إعادة توزيع للمهام المؤسسية، بل يهدف إلى بناء منظومة حكومية أكثر مرونة وتخصصًا وقدرة على مواجهة التحديات المتسارعة، انسجامًا مع متطلبات الدولة الحديثة. فالإدارة الحكومية اليوم ليست أجهزة تؤدي وظائف، بل نظام ديناميكي يتطور بقدر ما تتطور رؤية الدولة وطموحاتها المستقبلية.
وفي الختام، فإن الحفاظ على بيئة ليس ترفًا بيئيًا ولا رفاهية اختيارية، بل هو صون لهوية المكان وامتداد لموروث طبيعي وإنساني عريق. إنها مسؤولية وطنية تتطلب من الجميع- حكومةً ومجتمعًا- أن يقفوا صفًا واحدًا لحماية جبال ظفار، التي لا تزال رمزًا للجمال والخصوبة والتنوع البيئي في سلطنة عُمان.
