أ. د. حيدر بن أحمد اللواتي
من الكتب التي صدرت عام 2024، كتابٌ يحمل عنوانًا لافتًا للنظر "Goodbye Religion: The Causes and Consequences of Secularization"، والذي يمكن ترجمته ليكون "وداعًا للدين: أسباب وعواقب العَلْمَنة".
وسبب تأليف الكتاب هو ملاحظة زيادة نسب الأمريكيين الخارجين من الدين؛ اذ تُشير الدراسات الإحصائية إلى أن نسبة الأمريكيين الذين خرجوا من الدين في السبعينيات من القرن الماضي لم تتجاوز 0.8%، وفي المقابل فإنَّ عدد الذين خرجوا من الدين في العقد الثاني من هذا القرن يصل إلى 16.5%؛ أي ما يعادل 38 مليون نسمة.
التغيُّر الذي حدث في الولايات المتحدة الأمريكية، له أهمية بالغة للباحثين الاجتماعيين؛ إذ إن الولايات المتحدة كانت تعد الدليل الأقوى والأهم على أن الدول التي تعد من أكثر دول العالم تقدمًا تقنيًا وعلميًا وصناعيًا، يُمكن للدين أن يكون مُسايرًا لهذا التقدم ومرافقًا له، فلا تتأثر المجتمعات في دينها مع التقدم الحاصل في المجالات المختلفة، إلّا أن التغيُّر الكبير الذي لوحظ في العقد الأخير في الولايات المتحدة أثار شكوكًا كبيرة في مصداقية هذا الدليل.
وهذا ما حدا بالباحثين الاجتماعيين Ryan T. Cragun وJesse M. Smith، بدراسة ظاهرة الخروج من الدين في المجتمع الأمريكي، وقد أوضح الباحثان أن الذي يقصدانه من دراسة ظاهرة الخروج من الدين، هو دراسة الأسباب التي تدفع الفرد للتخلي عن هويته الدينية التي نشأ عليها. ويؤكد الباحثان أن دراستهما محصورة على تلك الفئة التي تترك الدين الذي نشأت عليه ولا تنضم إلى دين آخر، كما إن هذه الفئة ليست بالضرورة لا تؤمن بالغيب، كوجود قوة غيبية تدير الكون أو الإيمان بوجود حياة أخرى بعد هذه الحياة، أو غيرها من الأمور الغيبية؛ فهي ليست فئة ملحدة؛ بل الصفة المشتركة لكل هؤلاء أنهم تركوا دينهم الذي نشأوا عليه، وأغلب من شملتهم الدراسة هم مسيحيون في الأصل تركوا المسيحية ولم ينضموا لدين منظم آخر.
وقد حاول الباحثان دراسة أسباب ترك الدين ونتائجه من خلال دراسات ميدانية مكثفة؛ حيث استغرقت مدة الدراسة 10 سنوات، وذلك منذ عام 2008 إلى عام 2018؛ إذ جرت دراسة 120 عيِّنة ممن تركوا دينهم ولم ينضموا لدين آخر، وأُجريت مقابلات معهم للحصول على استبيانات، وتراوحت مدة المقابلات بين 45 دقيقة إلى أكثر من ساعتين، أما أعمارهم فكانت تتراوح بين 18 إلى 92 عامًا، وهناك تفاصيل دقيقة حول المستوى الاجتماعي والتحصيل الدراسي وغيرها من التفاصيل المرتبطة بالعينة التي خضعت للدراسة.
ويبلغ متوسط أعمار الخارجين من الدين 44.7 سنة، إلّا أن الباحثين يؤكدان أنهم ليسوا من فئة عمرية محددة وأنهم لا ينتمون إلى عرق محدد ولا إلى طبقة اجتماعية معينة، ولا إلى جنس معين؛ اذ تبلغ نسبة الذكور 53.6%، مما يشير إلى أن الجنس أيضًا ليس عاملًا مؤثرًا في نسب الخارجين من الدين، كما أشار الباحثان إلى أنهم لم يلحظوا وجود علاقة بين التحصيل العلمي وبين ترك الدين في المجتمع الأمريكي.
ويرى الباحثان أن من أهم العوامل التي تدفع الناس إلى ترك الدين هو التدرج في عدم الاهتمام بالأنشطة الدينية؛ كحضور الكنيسة يوم الأحد عند المسيحيين، فعندما يبدأ الفرد بعدم الاهتمام بهذه الأنشطة الدينية وذلك بسبب حضور أنشطة أخرى منافسة، كحضور مباراة كرة القدم أو حفل غنائي مثلًا أو غيرها من الأنشطة الربحية، والتي تتنافس في جذب هؤلاء عن الحضور للأنشطة الدينية. ومع مرور الوقت يغدوا عدم حضور النشاط الديني أمرًا مقبولًا لدى الناس، وهكذا ينحسر الدين من حياته، وبعد مدة يلاحظ اختفاء أثره ومع وجود مساحة واسعة من الحرية يعلن الفرد تخليه عن الدين الذي نشأ عليه، اذ لم يعد له أثر في حياته.
ويؤكد الباحثان أن الملايين من المجتمع الأمريكي خرجوا من الدين بهذه الصورة؛ فالأنشطة التجارية والتي تنافس الأنشطة الدينية في يوم الأحد عند المسيحين كانت من أهم الأسباب وراء خروجهم من الدين؛ إذ فتح هذا التغير البسيط في قبول المجتمع للقيام بأمور أخرى غير الأنشطة الدينية في الأوقات المخصصة للنشاط الديني الباب على مصراعيه لابتعاد الناس عن الدين تدريجيًا.
ونظرًا لأن عدم الاهتمام بالأنشطة الدينية يبدأ تدريجيًا، فلا يُوَلِّد ذلك فراغًا عند هؤلاء، فمع مرور الوقت لم يعد يشغل الدين حيِّزًا كبيرًا في حياتهم، ولذا لا يشعرون بوجود فراغ نتيجة تركهم للدين وخرجوهم منه.
وعند سؤال هؤلاء الخارجين من الدين عن المفاهيم الفلسفية العامة والتي عادة تملأها الأديان كالغاية من وجود الإنسان والرؤية الكونية وموقع الإنسان في هذه الحياة، فإنَّ أغلب هؤلاء يتجهون إلى النزعة الإنسانية القائمة على تمجيد العلم وعلى الاهتمام بالطبيعة، كما يركزون كثيرًا على القيم الأخلاقية العامة والتي يؤمنون بها كالحرية والمساواة وحقوق الأقليات وحقوق المرأة.
لكن ذلك لا يعني عدم وجود أسباب أخرى تدفع الأمريكي للتخلي عن الدين الذي نشأ عليه، وهذا ما سنتحدث عنه في المقالة القادمة؛ فللحديث بقية،،،
** كلية العلوم، جامعة السلطان قابوس
