لا تقتلوا الفرحة

 

 

حمود بن علي الطوقي

 

عندما أُعلنت حزمة المنفعة الاجتماعية، ومن بينها منفعة كبار السن لمن بلغ سن الستين، عمّت الفرحة أرجاء السلطنة من مسندم إلى صلالة، باعتبارها رسالة واضحة بأنَّ كرامة الإنسان العُماني هي جوهر السياسات الاجتماعية. فقد مُنح كل من بلغ الستين مبلغ 115 ريالًا شهريًا دون تمييز، ودون سؤال عن الدخل أو المنصب، وهو ما منح كبار السن شعورًا بالاطمئنان والاستقرار.

لكن قرار تقييد صندوق الحماية الاجتماعية الأخير بتقييد هذه المنفعة وربطها بسقف دخل 1250 ريالًا جاء صادمًا ومُربكًا، للمنتفعين ممن كانت رواتبهم تزيد عن 1250 ريالًا وبنوا عليه التزاماتهم المعيشية وكثير من كبار السن ممن تسلموا هذه المنفعة وجّهوا هذا المبلغ لسد جزء من احتياجاتهم المعيشية في الدواء والخدمات ودفع الفواتير وإيجارات السكن. وهناك من كبار السن يعيلون أسرا ولديهم من الأبناء باحثون عن عمل أو مُسرَّحون من وظائفهم، فكان هذا المبلغ عونًا لهم.

ويبقى السؤال الجوهري حاضرًا: ما المزايا التي يحصل عليها كبار السن أصلًا حتى تسقط عنهم هذه المنفعة؟ أين التسهيلات الصحية والخدمية التي تليق بمن أفنوا أعمارهم في خدمة الوطن؟ وإذا لم تكن هناك مزايا واضحة تُخفف عنهم كلفة المعيشة والعلاج، فكيف يُنتزع منهم مبلغ كان يُدار بحكمة ويُصرف مباشرة على احتياجات يومية.

ومنذ الإعلان المفاجئ عن تقييد هذه المنفعة، ضجت منصات التواصل الاجتماعي وتوالت المقالات والآراء المطالبة بعدم المساس بها؛ باعتبار أن هذا المبلغ يُنظر إليه بوصفه مكرمة موجهة لكبار السن، تُصرف لهم بصفتهم العمرية والإنسانية، لا وفق مستوياتهم الاجتماعية أو دخولهم المالية، وهو ما يعكس إجماعًا مجتمعيًا على أن المساس بها يُفرغها من معناها الإنساني.

وأتذكرُ عند الإعلان الأول عن المنفعة، خرجت بعض أصوات تطالب بعدم منحها لأصحاب الدخول المرتفعة والأثرياء والتجار. ومن موقعي كصحفي، سألتُ عددًا من الأثرياء، فجاء الرد واضحًا أن هذه مكرمة للجميع وكل مواطن هو مستحق، ومن أرادها فليُسجِّل، ومن لم يرغب فلا داعي للتسجيل. هكذا تتحقق العدالة دون التسبب في حالة من الجدل المجتمعي.

هنا أودُ التوضيح أن أي قرار يمس الحقوق الاجتماعية للمواطن يجب أن يُناقش عبر القنوات التشريعية المختصة، وأن يُبنى على دراسات واضحة، لا على اجتهادات مفاجئة تُربك حياة الناس. كما إن مبلغ منفعة كبار السن لا يخرج خارج حدود البلاد؛ بل يُعاد ضخه في السوق المحلي، مسهمًا في تنشيط العجلة الاقتصادية.

ومع إعلان "ميزانية 2026" وارتفاع مخصصات منظومة الحماية الاجتماعية إلى 614 مليون ريال، بزيادة 37 مليونًا عن العام الماضي، كان الأولى أن تُترجم هذه الزيادة إلى طمأنينة المواطن لا إلى قرارات صادمة.

نحن لا نرفض التنظيم، لكننا نرفض أن يُمارس على حساب استقرار المواطن؛ لأننا نرى أن منفعة كبار السن حق مستقر، لا إحسانًا مؤقتًا؛ فلا تقتلوا فرحة الناس!

الأكثر قراءة

z