إعادة هيكلة وزارية.. رؤية لمُستقبل واعد

 

 

 

 

د. محمد بن خلفان العاصمي

 

تفضَّل حضرة صاحب الجلالة السُّلطان هيثم بن طارق المُعظم- حفظه الله ورعاه- فأعاد هيكلة مجلس الوزراء بعد ما يزيد على 5 سنوات من التشكيل السابق، والتشكيل الجديد يحمل دلالات لمرحلة جديدة من العمل الحكومي، ويتسق مع متطلبات المرحلة المقبلة، ويترافق مع بداية الخطة الخمسية الحادية عشرة، وينسجم مع متطلبات رؤية "عُمان 2040" والتي دخلت ربعها الثاني.

ومن خلال التعديل الجديد والذي تضمن دمج وزارات واستحداث وحدات جديدة يتضح أنَّ الملف الاقتصادي يحتل مكانة بارزة في هذه المرحلة التي تتطلب الكثير من التركيز على هذا الجانب خاصة في ظل تراجع أسعار النفط وما يشهده العالم من اضطرابات سياسية لها تأثير كبير ومباشر على الاقتصاد العالمي.

‏أهم هذه التعديلات هو إعادة منصب نائب رئيس الوزراء للشؤون الاقتصادية وتعيين صاحب السُّمو السيد ذي يزن بن هيثم آل سعيد في هذا المنصب، وكان قد أُلغي هذا المنصب سابقًا، وكان آخر من شغله قيس بن عبدالمنعم الزواوي. ولا ريب أنَّ عودة المنصب تُجسِّد الرغبة السامية لجلالة السلطان- أعزه الله- في مُعالجة عدة تحديات في الملف الاقتصادي، كما إنَّ تعيين شخصيةٍ وازِنةٍ كسُّمو السيد ذي يزن بن هيثم آل سعيد، يُعد معززًا لصناعة القرار الاقتصادي من حيث السرعة والإشراف المباشر؛ حيث إن وجود وحدة تساعد في دعم وصناعة القرار هو أمر بالغ الأهمية في مرحلة تتطلب قدرًا كبيرًا من الديناميكية الإدارية والكفاءة في ذات الوقت، لاتخاذ القرارات الضرورية ورسم السياسات ومتابعة تنفيذ الخطة الاقتصادية بشكل مستمر. وتعد هذه الخطوة مُهمة للغاية ومتفاعلة مع متطلبات المرحلة، كما إنها تشير بشكل واضح إلى التقييم المستمر لمستهدفات رؤية "عُمان 2040" وما تحتاجه من تعديلات لمواجهة التحديات التي تظهر مع مرور الوقت.

وحَمَلَ التعديل الوزاري الأخير تعيين سُّمو السيد بلعرب بن هيثم آل سعيد وزيرًا للدولة ومُحافظًا لمسقط. هذه المحافظة التي تستعد لتكون مركزًا عالميًا من حيث المشاريع التنموية والاجتماعية والاستثماريّة بطابع حضاري يستند على ماضٍ تليدٍ. ومما لا شك فيه أن المرحلة المقبلة التي تستهدف تطوير محافظة مسقط من خلال عديد المشاريع والخطط التنموية التي أقرَّتها رؤية "عُمان 2040" تتطلبُ ثِقَلًا إداريًا وفكرًا شابًا لتحويل هذه المحافظة إلى مرحلة متقدمة من التطور الاقتصادي والتكنولوجي، واستثمار الموقع الجغرافي الذي تتمتع به سلطنة عُمان كأحد أهم المُمكِّنات لتحقيق قفزة نوعية والمساهمة المباشرة في الدخل القومي والنمو الاقتصادي للدولة.

ومن بين التعديلات كذلك دمج وحدة متابعة تنفيذ رؤية عُمان 2040 في وزارة الاقتصاد؛ لتوحيد جهة التخطيط الاستراتيجي والإشراف على تنفيذ الخطط المستقبلية ورسم السياسات الوطنية للتنمية، مع وجود قيادات نجحت في وضع الرؤية موضعَ التنفيذ؛ بفضل الدعم المُطلق من القيادة الحكيمة؛ حيث إن المرحلة تتطلب التركيز على أمرٍ بالغِ الأهمية وهو وجود مصدر واحد للقرار والمتابعة فيما يتعلق بالاستراتيجيات العامة، وذلك لضمان عدم تشتُّت الجهود وتجنُّب ازدواجية الرؤى. وهذا الدمج من شأنه أن يمنح الرؤية نَفَسًا في عملية المتابعة والتقييم والإشراف المباشر، كما إن عملية استشراف المستقبل تتطلب تكاملًا تامًّا مع التخطيط الاستراتيجي. لذلك كان لا بُد من هذا الدمج الذي سوف تظهر نتائجه سريعًا متى ما أُحسن تطبيقه وتحققت أهدافه.

‏وجاء دمج وزارة التعليم العالي والبحث العلمي والابتكار ووزارة التربية والتعليم في مُكوِّنٍ واحدٍ كتوجهٍ عالميٍّ ناجحٍ لدى نماذج دولية رائدة على غرار فنلندا وسنغافورة، فإن هذا الدمج يعني رؤية تعليمية مُوحَّدة من الروضة إلى الجامعة، بمنهجٍ متكاملٍ وتخطيطٍ يُراعي حاجة سوق العمل، وبما يُحقِّق توحيد الاستراتيجيات التعليمية لتخدم الأهداف الوطنية، خاصةً ما يتعلق بجودة المخرجات التي هي نتاج مراحل التعليم المختلفة. ولا شك أن هذا الدمج قد يكون بدايةً لوضع التعليم بكافة أشكاله تحت مظلةٍ واحدةٍ، وما يزال هناك الكثير من العمل والتحديات في ملف التعليم، خاصةً وأن هذا القطاع بالذات وُجِّهَت له العديد من الأسئلة وهناك الكثير من الآمال التي تُعقد عليه، لا سيما في ظل النمو الاقتصادي المنشود، والذي يتطلب مخرجات كمية ونوعية وجودة عالية. ويبقى هذا الدمج مرهونًا بنجاح قادة التحول في تحديد الاختصاصات وموازنة الصلاحيات ومعالجة التحديات التي واجهت منظومة التعليم سابقًا.

كما إن فصل البحث العلمي والابتكار عن التعليم العالي، يُمثِّل تمكينًا لهذا الملف الوطني الذي يرتبط في حقيقته بالجانب الاقتصادي بشكلٍ مباشرٍ؛ حيث يشهد العالم تحولًا كبيرًا نحو الاقتصاد المعرفي وكفاءته في قيادة مسار التنويع الاقتصادي، ولذلك لا بُد لهذا الملف أن يؤدي دورًا محوريًا في تعزيز الاقتصاد الوطني، من خلال تبنِّي مساراتٍ واضحةٍ تُعزِّز من دور البحث العلمي والابتكار في تطوير الاقتصاد، كما يتطلب هذا الملف عملًا أكبر على مستوى توفير الدعم المادي والتمويل اللازم لتحقيق الهدف الأساسي من البحث العلمي والابتكار.

‏وزارة التراث والسياحة ووزارة الثقافة والرياضة والشباب تستعدان لاستقبال مرحلة جديدة من العمل الذي يستهدف تحويل هذا القطاعات إلى واحدة من القطاعات الرئيسية المُساهِمة في التنويع الاقتصادي بشكل أكبر مع وجود تأسيس تشريعي ومشاريع جديدة بقيادات جديدة قدمت نفسها بشكل مميز في ملف تنمية المحافظات واللامركزية الإدارية، وقد حان الوقت لأن تُوضَع تلك الخبرات في مجالات جديدة خصبة وقابلة للتطوير والإبداع والمساهمة في تحقيق أهداف رؤية "عُمان 2040".

لقد منح جلالة السلطان المعظم- حفظه الله- الفرصة من جديد لعديد القيادات لإكمال العمل الذي بدأ قبل أكثر من ست سنوات، وهذه فرصة لمُعالجة التحديات وأوجه القصور، خاصةً مع اكتساب خبرة كبيرة واجتياز مرحلة التعافي الاقتصادي وتوفُّر بيئة مناسبة للإبداع وتقديم عمل أفضل. لذلك.. يجب أن توضع هذه الثقة موضع التقدير والامتنان، وأن تكون مصدر تحفيز لمضاعفة الجهود لتحقيق النجاح المنشود وخدمة الوطن والمواطن والوفاء للقائد المفدى.

الأكثر قراءة

z