د. عبدالعزيز بن محمد الصوافي
تجزئة المُجزّأ وتفتيت المُفتّت ليس مجرد خطأ سياسي جسيم؛ بل من أكبر الكبائر الأخلاقية والوجودية التي تُصيب الدول في صميمها، وحين يعلو الصوت مطالبًا بتقسيم الصومال (الحكومة الاتحادية وأرض الصومال)، اليمن (الشمال والجنوب تاريخيًا)، سوريا (تنوّع ديني/ مذهبي يشمل الدروز والعلويين والسنّة دون حصر)، العراق (أغلبية عربية وأقلية كردية بارزة ضمن تعددية أوسع)، فإننا لا نتحدّث عن خرائط وألوان على ورق؛ بل عن مصائر بشر، وعن ذاكرة جماعية وموارد مشتركة وروابط اجتماعية نُسجت عبر السنين.
إن تقسيم كيانات تُعاني أصلًا من مشاكل اجتماعية واقتصادية وسياسية عميقة لا يُنتج استقرارًا؛ بل يُعيد تدوير هذه المشاكل في وحدات أصغر، ويُعقد المعادلات والجوانب الأمنية والاقتصادية بدل تبسيطها.
ويُقدَّم التقسيم غالبًا بوصفه "إبرة إسعاف وتسكين" سريعة لأوجاع مزمنة لنزاعات وخلافات داخلية بلا أفق للحل، ووجود قيادات ومؤسسات حكومية ضعيفة، وتفاوتات تنموية صارخة بين المناطق داخل الدولة. لكن الخبرة التاريخية تقول إن ما يبدو حلًا تقنيًّا يُعمّق الجروح؛ حيث حدود جديدة تُنشئ أقلّيات جديدة، وتدفقات سكانية واقتصادية تتعقّد، وسرديات للهوية تتنافس بلا قواعد حَكْم.
في اليمن، لن تحلّ خرائط جديدة معضلة الحوكمة ما لم تُصلَّح العقد الاجتماعي وتُبنى مؤسسات خدمية موثوقة.
في السودان، أثبتت التجربة أن فصل الجغرافيا لا يفصل المصالح ولا يعالج جذور التهميش.
وفي الصومال وسوريا والعراق، تتجاور سلطات الأمر الواقع، لكن غياب إطار وطني جامع يُبقي الجميع رهائن "توازنات السلاح والدعم الخارجي" لا "توازنات العقد والسلم الإجتماعي".
والإعلام، حين ينزلق إلى تبسيط القضية في ثنائية خيارين لا ثالث لهما: "تقسيم أو فوضى"، يُسهم- بقصد أو بدونه- في هندسة قبول عام بحلول قصيرة النظر.
ومهمة الصحافة المسؤولة أن تكسر هذا القالب، وأن تُظهر تكاليف التفتيت المخفية- من أمن غذائي ومائي إلى سلاسل الإمداد، ومن القدرة على جذب الاستثمار إلى كلفة بناء مؤسسات جديدة- وأن تضع على الطاولة بدائل واقعية قابلة للحياة، مثل تطبيق لا مركزية عادلة بموارد وصلاحيات حقيقية، وحكم محلي شفاف، وعدالة انتقالية تُرمّم الثقة، وتكامل اقتصادي عابر للمناطق، وإصلاح قطاع الأمن؛ بما يمنع تعدد مراكز القوة؛ هذه ليست شعارات، بل وصفة استقرار طويل الأجل.
لذا على صانعي القرار والنخب والفاعلين المحليين أن يتذكّروا أن "خرائط الانفصال" تُغري، لكنها نادرًا ما تُنقذ. والنداء هنا ليس إلى إنكار التنوع، بل إلى تحويله من سبب افتراق إلى مصدر قوة. ودولة واحدة مرنةٌ تتسع للاختلاف وتُدار بقواعد واضحة أفضل ألف مرة من تفتيتٍ يُغلق أبواب المستقبل.
في النهاية، الدول ليست مساحات تُقصّ وتُلصق؛ هي شبكات من البشر والمصالح والتاريخ والآمال والدماء. وحين نخضع لإغواء التفتيت، نُراهن- بلا حكمة- على قهر الجغرافيا والذاكرة معًا. ذلك هو مكمن الخطر، وتلك هي الكبائر التي ينبغي أن نكُفّ عنها.
** باحث أكاديمي
