الملاحم الوطنية.. تجسيد للعلاقة الصادقة والمتينة بين القائد والشعب

 

◄ الخطابات السامية رسائل طمأنة وتواصل مباشر بين القائد وأبناء شعبه الأوفياء

◄ الأزمات تكشف عن منظومة عمل وطني موَّحدة تسعى للحلول والتعافي

◄ إنشاء صندوق وطني للحالات الطارئة خطوة ذات بُعد استراتيجي في معالجة الأزمات

 

 

الرؤية- ناصر أبو عون

 

في الأزمات يظهر معدن الأمم، وتتجلّى اللحمة الوطنية لدى الشعوب، ويسفر فجر الوِفاق عن وجهه الصَّبوح، فكم من شدّة اعترضت أهل عُمان، ولكنها سريعًا ما انقشعت غُمّتها، وعاد الثوب العُمانيّ ناصعَ البياض، والقلوب تشبكها أنيطة الصفاء والسواعد تتصافح في أزمنة المحنة؛ فتستحيل حياة أهل هذه الأرض الطيبة مِنْحة ووحدة.

الأمثلة كثيرة لا حصر لها على مرّ الأيام ومضي الأزمان، ونسوق في هذا المقام الأيام العصيبة التي عاشتها سلطنة عُمان أثناء الحالة المدارية "شاهين 2021"، وقد جاء الخطاب السامي لحضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم- حفظه الله ورعاه- ليؤكد على تلاحم القيادة مع مواطنيها في العُسر قبل اليُسر. ولم يكن خطابَ عزاءٍ؛ بل خطاب قائد يجمع بين رسوخ الإيمان، وتلاحم الإنسان، ومساندة الدولة، بعيون تتطلع إلى المستقبل.

لقد كان هذا الخطاب بمثابة ترتيب للأولويات، وطمأنة للمواطنين، وتأكيدًا على أن عُمان- قيادةً وشعبًا- لديها فائض قدرة وبطولة تتجاوز به المحن، دون أن تمد يدها للخارج، وأنها بسواعد أبنائها فقط ستخرج من هذه الحالة المدارية أكثر قوة وتماسكًا.

إنه خطاب يرسّخ وحدة العُمانيين في وقت الشدّة، فحين يتحدث القائد المفدى- أيده الله- من قلب العاصفة؛ فذلك تأكيد على أنّ الدولة العُمانية حاضرة وبقوة في المشهد، وأنّ المواطن العُماني في عين اهتمامها. فضلًا عن هذا، فإنَّّ خطاب جلالته كان رسالة طمأنة في لحظة وطنية فارقة امتزج فيها الوجع الإنسانيّ بالخسارات المادية الفادحة، فكان الخطاب عقدًا اجتماعيًّا مُصغّرًا أعاد بناء الثقة، وأمد جسور التعاون والتعاضد بين الدولة والمواطن، خطاب بدأه جلالته بالإيمان وختمه بالوطن. فاستله بالبسملة والحمد والثناء تأكيدًا على ثبات المرجعيّة الدينية والقيمية للدولة العُمانية، وأنّ العاصفة المدارية شاهين ابتلاء إلهيّ من الحكمة مواجهته بالصبر والتكاتف.

هذا المدخل التمهيديّ في الخطاب لم يكن في هذه اللحظة تقليدًا، بل حاملًا لرسالة نفسية واضحة: يمكن تلخيصها في عبارة واحدة: "الأوطان ذات الخلفية الحضارية والقيمية لا تكسرها الشدائد، وأن التلاحم بين أبناء الأمة قوة تواجه الصعاب، وأن الاستقرار نعمة مغبون فيها اهل عُمان".

لم يتجاهل الخطاب السامي مأساة الخسائر المادية الفادحة في ممتلكات المواطنين ومرافق الدولة والبنى الأساسية، وخاصة في محافظتي شمال وجنوب الباطنة، ودعا الله أن يتغمّد الضحايا برحمته، وأن يُلْهِم أهليهم الصبر والسلوان، في جانب إنساني يُؤكد على أنّ (الدولة لا تتعامل مع الأرقام، بل مع البشر).

ويأتي توصيف جلالة السلطان- أعزّه الله- لدور الشعب العُماني الذي لبّى نداء الواجب من داخله، وفزعته المتأصلة في جيناته الوراثيّة بـ"الملحمة الوطنية"، وهذا التوصيف القياديّ يحمل العديد من الدلالات العميقة؛ إذ يؤكد على أنّ المواطن العُمانيّ شريك في مواجهة المحنة وصانع للبطولة، وإيضاح للدور الفاعل لمنظومة القيم العُمانيّة التي أمدت شخصية المواطن بوقود (الصبر، والثبات، والتعاضد، والتكافل.. إلخ)، وكلها قيم أصيلة وضاربة بجذورها في التراث الحضاريّ للإنسان العُمانيّ وليست طارئة؛ بل امتداد لتاريخ عُمان وأبنائها عبر العصور.

ومن هذا المنطلق أكد خطاب جلالته على إبراز البعد الجماهيري في تعزيز الفخر الوطني، ورفع المعنويات، وتحويل الأزمة إلى مصدر قوة.

لقد حمل خطاب جلالته- أبقاه الله- لهجة أبٍ حانٍ وصارم في دعوته للجهات الحكومية إلى العمل "معًا" كـ"منظومة واحدة متكاملة"، في إطار التزام مجلس الوزراء بتحمّل المسؤولية كاملةً والرقابة على التنفيذ "بإتقان وسرعة"، عبر رسالة واضحة فحواها أنّ المُساءلة حاضرةٌ، والتوجيهات مُلْزِمة. وقد شدَّد جلالته- أعزه الله- على ضرورة عودة الحياة إلى طبيعتها وفق ما كانت عليه قبل "شاهين"؛ بل أفضل مما كانت. وأكد أنّ هذا المطلب أولوية قصوى، مع التركيز على ثلاث أولويات ضرورية؛ هي: تسريع وتيرة العمل الحكومي، وإعادة تأهيل شبكات البنية الأساسية، وتوفير متطلبات الحياة الأساسية للمتضررين.

ويأتي الأمر السامي، بإنشاء "صندوق وطني للحالات الطارئة"، في خطوة وطنية ذات بُعد استراتيجي، وتعبير عن انتقال الدولة العُمانية من منطق "ردّ الفعل" إلى الأخذ بمنطق "إدارة المخاطر"، وتطبيق (منهجية علم المستقبليات) في الوقاية والتوقع والمواجهة. وتعكس هذه الخطوة ثلاثة مبادئ ستكون منهج عمل في مواجهة الكوارث الطبيعية- لا قدّر الله- مستقبلًا؛ وهي: تعزيز الاستدامة في إدارة الأزمات، واستيعاب الدروس التاريخية المستفادة من الأعاصير والعواصف المدارية السابقة، ووضع رؤية مستقبلية عُمانية خالصة لمواجهة الكوارث الشبيهة.

وانطلاقًا من الهدي النبوي "من لم يشْكُرِ الناسَ لم يشْكُرِ اللهَ"، أشاد جلالة السلطان- أمدّ الله في عمره- بخمس فئات من رجال عُمان ونسائها الذين واجهوا العاصفة المدارية شاهين بقوة الإيمان بهذا الوطن، وفي مقدمتهم قوات السلطان المسلحة، التي تجلى دورها في الدعم والتمويل والإمداد ووضع كل ما تملك من إمكانات ومعدات، وشرطة عُمان السلطانية، التي تواصل العمل ليل نهار في خدمة المواطنين والحفاظ على أمنهم وممتلكاتهم، وخاصةً في المساندة الرئيسة في عمليات الإنقاذ، وسائر الأجهزة الأمنية، التي تعمل على الأرض في صمت، واللجنة الوطنية لإدارة الحالات الطارئة، والمتطوعين، والقطاع الخاص، والجمعيات الأهلية، وتأتي هذه الإشادة السلطانية السامية من جلالته- أبقاه الله- بمثابة مرآة عُمان الصافية التي تعكس ثقافة الاعتراف بجهود الآخرين، وتؤكد أن نجاح العُمانيين في مواجهة العاصفة المدارية شاهين كان ثمرة عمل جماعي وطني صادق.

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z