صادق بن محمد اللواتي
مع بزوغ فجر عام 2026، لم تعد غزة مُجرد خبر عابر، ولا مجرد رقم يُضاف إلى سجلات المُعاناة الإنسانية، بل أصبحت مرآة تعكس واقع العالم أجمع. فبينما كانت أضواء المدن الكبرى تحتفل بقدوم العام الجديد، كانت خيام النازحين تُهدم، وكان البرد والمطر يكتبان فصلًا جديدًا في الخيانة العالمية، وللقيم والمبادئ، ولا سيما من جانب العالم العربي.
قتلت القوى المتغطرسة، بالتواطؤ مع الدولة الصهيونية، 80 ألف فلسطيني في غزة منذ أكتوبر 2023، معظمهم من الأطفال والنساء. لكن الـ80 ألفًا ليسوا مجرد رقم، إنهم 80 ألف حكاية بُترت قبل أوانها. هم أحذية صغيرة لا تزال تنتظر أقدام أصحابها تحت الأنقاض، هم دفاتر مدرسية لم تُفتح، ووعود بلقاء لن يحدث أبدًا. الموت في غزة ليس مجرد توقف للأنفاس، بل هو فراغ موحش يتركه طفل كان يحلم بأن يكبر ليصبح طبيبًا، فصار هو نفسه الجرح الذي لا يندمل.
دمر الكيان الصهيوني 80% من البنية التحتية، ولم يتبق منها سوى أكوام من الأنقاض بعد تدمير المستشفيات الاثني عشر. وحتى بعد وقف إطلاق النَّار الثاني، الذي دخل حيز التنفيذ في أكتوبر 2025، قتل الصهاينة 515 فلسطينيًا حتى الآن، ولا يزال سكان غزة يعانون من نقص الغذاء بسبب منع الكيان الصهيوني دخول الإمدادات الغذائية والاحتياجات الأساسية.
إنَّ المفارقة المؤلمة التي نعيشها تتجاوز مجرد العاطفة، فكل طفل يُقتل في سماء غزة جراء غارة جوية غادرة، هو في الواقع شاهد حي على موت ضميرنا الجمعي. القيم التي نُعليها في المحافل الدولية- حقوق الإنسان والحق في الحياة- أصبحت مجرد شعارات جوفاء، سحقتها مرارة الواقع على أرض فلسطين. اليوم أمامنا خياران لا غير: إما أن نقف مع الإنسانية بكل ما تحمله هذه الكلمة من مسؤولية وألم، أو أن نعترف بشجاعة مريرة بأن إنسانيتنا لم تكن سوى قناع زائف ارتديناه في أوقات الرخاء. لقد علمتنا أحداث 2025 أن الصمت ليس حيادًا، بل هو تواطؤ تام مع الظالم. وهنا يكمن السؤال المؤلم: ألم تلتزم منظمة التعاون الإسلامية وجامعة الدول العربية وقادة الدول الإسلامية الصمت طوال فترة العدوان؟ أين كان هذا الثقل السياسي والجغرافي والديموغرافي (400 مليون عربي) مقارنة بتسعة ملايين من المحتلين الصهاينة حين كانت غزة تباد وتجوع؟ لقد اتخذت الخيانة شكلًا أشد مرارة، فبينما كانت موائد عواصمنا تفيض بأشهى الأطعمة، كان أطفال غزة يكابدون العذاب والجوع. أي خيانة أشد فظاعة من مرور قوافل الغذاء والوقود عبر أراضينا لتصل إلى القاتل، بينما الضحية ترتجف من البرد والجوع على بعد كيلومترات قليلة؟ اللقمة التي نأكلها اليوم ملوثة بصمتنا ودموع أمهات غزة، اللواتي جفت أثدائهن، ولم يبق لهن ما يرضعن به أطفالهن سوى كرامة مرة.
اليوم، تناشد غزة آخر ما تبقى من إنسانيتنا: هل ما زلنا نشعر؟ أم أننا أصبحنا مجرد أرقام في آلة عالمية لا تعترف إلا بالقوة؟ تبدأ خيانة القيم التي نعتز بها حين نعتاد على المشهد، حين يصبح الموت مجرد "خلفية" روتينية لحياتنا اليومية. شيء ما انكسر فينا، شيء لا يستطيع الزمن إصلاحه. لم تكن أصعب لحظات عام 2025 هي الانفجارات، بل اللحظة التي انتقلنا فيها من قناة إخبارية تعرض جثث الأطفال إلى أخرى تبث برامج ترفيهية أو رياضية دون أن يرف لنا جفن. ماتت غزة فينا قبل أن تموت على الأرض، ماتت حين استبدلنا صرخات أطفال غزة باللامبالاة، حين استبدلنا الدعاء بالخمول؟
وختامًا.. سيبقى الجانب المظلم من عام 2025 وصمة عار على كل من التزم الصمت، كل من اعتبر صرخات النازحين، وبكاء الأطفال الجائعين، وصراخ أم تبحث عن رضيعها تحت أنقاض منزلها، مجرد ضجيج يفسد فرحتهم. أكتب هذه الكلمات بقلم يرتجف، لا خوفًا، بل خجلًا. أشعر بالعار وأنا أرى طفلًا في غزة يمسح الغبار عن وجهه ويبتسم للكاميرا، بينما نحن، بكل جيوشنا ومواردنا الطبيعية ومنابرنا الإعلامية، لا نملك سوى قرارات قمة جوفاء – مجرد حبر على ورق، لا قيمة لها ولا جدوى.
يا شعب فلسطين، أرجو أن أكون قد أديت واجبي الإلهي تجاهكم، أيها المظلومون والمحرومون من حقوقكم. سامحوني، ليس لأننا لم نستطع فعل المزيد، بل لأننا- كأمة- لم نبذل الجهد الكافي. سامحوني، فهذا كل ما استطعت تقديمه لكم، والتاريخ لن يغفر لمن رأى الحقيقة واختار غض الطرف أو الصمت بينما تُراق دماء الأبرياء. لقد أديت واجبي تجاه الكلمة المكتوبة، وهذا أقصى ما يمكن أن يُقدمه كاتب حين يختل توازن القوى. سيبقى صوتي، الذي انسكب في هذه المقالة، شاهدًا حيًا، لا يمسه الزمن ولا يُنسى.
أقول والدموع تملأ عيني: لا قوة مُتعجرفة تستطيع أن تُنهي قضيتكم، وهي قضية الشعب العُماني بأسره الذي يقف إلى جانبكم، سيعود الفلسطينيون إلى ديارهم يومًا ما، وقد لا يكون ذلك اليوم ببعيد. أليس الصبح بقريب؟
