كيف أعاد "الواتساب" تشكيل علاقاتنا؟!

 

 

 

خالد بن سعيد الكندي

تعتبر ميتافيزيقيا الأخلاق -كما يسميها كانط- إحدى المواضيع الفلسفية التي لا يتجاوزها الديالكتيك (الجدل الفلسفي) كما هو شأن القضايا الفلسفية عموما، وذلك لما تنطوي عليه من اعتبارات وجودية عميقة وأسس مفهومية دقيقة، بيد أن تناول كانط لموضوع الأخلاق من زاوية ميتافيزيقية ليس ترفا فلسفيا فهو لا يفسر مفهوم الأخلاق فحسب؛ بل يتجاوزه إلى البواعث الخفية فيما وراء الطبيعة للسلوك الأخلاقي على نحو تحليلي، والتي تجعل منه محل نظر في دقة كونه أخلاقي من عدمه، ثم البحث في جهة مصدر الإلزام به هل هو العقل أم الفطرة أم التجربة أم غير ذلك.

وقد فسر بعضهم الإلهام في قوله تعالى "ونفس وما سواها فألهمها فجورها وتقواها" بأنه يعكس البعد الماورائي في مفهوم الأخلاق، وبصرف النظر عن كون هذا الإلهام في الآية الكريمة يتناول الاتجاه الميتافيزيقي للأخلاق -كما هي دعوى البعض- باعتباره أثر من الفطرة الإلهية للنفس البشرية؛ يبقى أن مبحث كانط في مفهوم الأخلاق كموضوع اجتماعي فلسفي جدير بالتأمل والعناية الفكرية، لما يمكن أن يعد ملمحا في حفظ الأخلاق من التحلل النسبي طالما بقي اتصالها بجذورها الأصيلة.  

كما يذهب بعض الفلاسفة -كابن مسكويه- إلى أن النفس البشرية قد جبلت على الطهارة النفسية والكمال الوجودي، فهي تنزع إلى الخيرية والفضيلة نزوعا فطريا بدافع الغريزة التي ركبت فيها، كذلك يرى أن أهم ما يفرق النفس البشرية عن بقية النفوس الحية هو امتلاكها لقوتين نفسيتين هما القوة الفكرية أولًا، ثم القوة الإرادية ثانيًا، فالأولى هبة جوهرية تمكن الإنسان من تأمل الواقع وقراءته وتحليل مشاهده وتوظيف العديد من المفاهيم -وأهمها اللغة- في تكوين التصورات والنتائج الصحيحة والتعبير عن ذلك وتجواله لاحقا عبر مراحل زمنية ممتدة، وقد أشار القرآن الكريم إلى تلك الدعوة في أكثر موضع من ذلك قوله تعالى "أفلا تعقلون" وقوله تعالى "أفلا تتفكرون".

ولما كان الإنسان قد نال تلك الخصيصة دون سواه وخص بتلك المزية دون غيره فكان بذلك قادرا على تحرير النفس وتزكيتها من الجهل وتجاوز الغفلة وبناء وعي متوازن وتحقيق حالة انسجام بين الإيمان والعلم؛ فقد نيط به التكليف الإلهي وحمل الأمانة والمسؤولية وخوطب على إثر ذلك بفروع الشريعة، ولهذا كانت القوة الثانية وهي القوة الإرادية (الحرية) خصيصة أخرى تميزه عن غيره من سائر المخلوقات لتكون له بذلك السيادة وشرف الاستخلاف في هذه الأرض.

ثم أن الحرية هي مظنة الوعي والإرادة، وبصيرة تدفع بصاحبها إلى الاختيار الآمن بين الخير والشر وبين الصواب والخطأ وبين ما يرفع به قدر النفس أو يحطها دون مستوى المعايير الأخلاقية والمنظومة القيمية وضوابط العقل والضمير الإنساني، قال تعالى "وهديناه النجدين" أي بينا له الطريقين، ثم إليه مرجع اختيار أي الطريقين يكون له مسلكا إلى غاياته ونهاية يقضي بها خاتمته. قال تعالى "إنا هديناه السبيل إما شاكرا وإما كفورا" وقوله تعالى "فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر"، فهي حرية السعي لا حرية الانفلات وهي حرية الاختيار والانتخاب القائم على الوعي الصحيح.

لقد أراد الله تعالى أن يكون المؤمن في توازنه الإنساني مع بني جنسه مثالًا للصلابة في الحق، ونموذجا للرحمة في التعامل، فجمع بين الشدة في مواجهة الباطل والرحمة في معاملة الناس، ولنا في رسول الله صلى الله عليه وسلم الأسوة الحسنة والصورة النبوية الطاهرة، فقد قال الله تعالى "محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم"، فهم قوامون بالحق ثابتون على المبدأ متعاطفون فيما بينهم مخلصون في مودة بعضهم بعضا.

ولا يتحقق التوازن الاجتماعي والاستقرار في العلاقات الإنسانية والانسجام المجتمعي إلا باتساق النظام القيمي للمجتمع وتجانس مركباته واحترام الحقوق وحفظ الرتب الاجتماعية، والجمع بين الحزم في الحق والتراحم بين المتعاملين وإحسان الظن، ومراجعة تلك العلاقات وصيانتها لإزالة ما علق على أطرافها من آثار رياح الزمن وغبار السنين لتبقى صافية نقية خالصة ندية، تعكس ثباتا على المبادئ والكليات ورسوخا في الاتجاه واستقامة في المنهج.

وليس بغائب عن أحد اليوم الأثر التي أحدثته وسائل التواصل الاجتماعي على العلاقات الإنسانية عموما وفي مقدمتها تطبيق الواتساب، فقد قربت هذه الوسائل المسافات، وألغت الفواصل والفجوات، حتى لم يبقَ بين الناس حجاب، بين كبير الناس وصغيرهم عالمهم وجاهلهم، لكنها في الوقت نفسه طمست مساحات الصمت والسكون، وجعلت التواصل عبئًا مستمرًا على النفس فصار الإنسان يعيش -دون اختيار منه- حضورا دائما مع الآخرين لا ينقطع ليلًا أو نهارًا، وهذا الإفراط في الوجود الرقمي للمرء جعله في حالة انكشاف دائم فغابت بهذا نطاقات الخصوصية والفضاءات الشخصية والهدوء الخالص التي تحتاجها مشاعر الود والاشتياق للنمو والبقاء والازدهار، مما ولد ضغطًا نفسيًا خفيًا في عمق الوجدان واستهلك الطاقة العاطفية والمعنوية، فتأثرت الحدود بين الناس وتصدع أدب الخطاب فيما بينهم، ولم يعد للكبير حق التقدير ولا للعالم مكانته العلمية ولا لصاحب الفضل فضل يشفع له، وشاع الخصام على إثر الجدال والنزاع، وتآكلت المودة بين الأقارب قبل غيرهم. وعند التحقيق يلحظ أن كثير من تلك الخلافات عادة ما تتفشى وتنتشر بين الأقارب أو من كان في حكمهم من القرب كالذين تجمعهم الدوائر الخاصة على اختلاف أغراضها كمجموعات العمل أو الأصدقاء مثلا، بينما تتراجع تلك الظاهرة أو يقل أثرها عند الأباعد من الناس، وهذا عائد -كما يبدو- إلى حجم الكلفة النفسية والاجتماعية التي تقتضيها العلاقة مع القريب، وتراجعها في علاقة البعيد ضمن المساحات الاجتماعية الرقمية في وسائل التواصل على اختلافها، لهذا قد يلحظ في سلوك المرء احتراما لافتا للبعيد وتقديرا له وربما كياسة وذوق وحسن أدب، بينما لا يكون الأمر كذلك مع القريب، وما ذلك إلا لكون البعيد أقل كلفة نفسية والتزاما اجتماعيا وعبئا شعوريا في المعاملة التبادلية بينما يكون ذلك الالتزام والعبء حاضرا بقوة في علاقة القريب بالقريب، ما يجعل ذلك الالتزام مؤونة نفسية مستترة وحمولة داخلية محتبسة وربما شعور باختناق وجداني قد يدفع بصاحبه -لا شعوريا- إلى افتعال ما يمكن من أزمات، أو تصنع ما يمكن من مواقف أو مشاحنات، لأجل التخلص من تلك الكلفة النفسية الخفية والتفلُّت من مشقة تلك الحمولة المرهقة.

ينسب لابن مسكويه قوله أن الأخلاق والفضائل لا يمكن لها البقاء والنمو إلا ضمن وسط اجتماعي تفاعلي وحي، ودلالة مذهب ابن مسكويه هو أنه لا يمكن للمرء أن يمارس الدور الأخلاقي في عملية تواصلية إلا في ظل وجود الآخر، فالمجتمع باعتباره الحاضن الأول والإطار الناظم للعلاقات بين الناس إنما يمثل الوسط المثالي الذي تطلبه الفضيلة للبقاء والحركة والوجود، فالعدل لا يتحقق إلا بوجود من يتوجه إليه ذلك العدل ورد الأمانة لا تتحقق إلا بوجود مستحق يوجه إليه هذا السلوك وقس على ذلك ما شئت من القيم كالصدق والرحمة والوفاء والصبر والتسامح والكرم والإحسان وغيرها كثير، جميعها لا يمكن لها الحركة والنمو دون أن يكون لها طرف متلق لها ضمن حاضنة اجتماعية تكون وسطا لها.

وعند إسقاط هذا المفهوم على واقعنا اليوم نجد أن تطبيقات وسائل التواصل الاجتماعي وأهمها "الواتساب" أصبحت اليوم تمثل وسطا اجتماعيا يمتحن فيه المرء في فضيلته وأخلاقه، ومجتمعا رقميا بديلا يسلم فيه القياد ويرخي معه العنان، وما فتئ هذا الوعي يتمدد في الذهنية الجمعية ليشكل تيارا إنسانيا تنزاح معه بعض مركبات المشهد الاجتماعي لتحل محله مركبات رقمية جديدة لا تعير الاعتبارات النفسية الواقعية ما يكفي من العناية اللازمة، فهو فضاء رقمي حاضن وبيئة هلامية تعيد تشكيل الروابط الاجتماعية، خارج نطاق التواصل الحي الذي عادة ما تكون قراءة المشهد الواقعي فيه أكثر دقة ودون قصور باعتباره -أي التواصل الحي- يجمع بين نبرة الصوت وحركة الجسد والجوارح ولغة الإشارة فيتحقق بذلك التفاعل الوجداني وشعور الانتماء اللحظي، وكل ذلك متممات ضرورية في بناء الموقف الإنساني وتشكيل حالة تواصل اجتماعي صادقة، وهو ما لا تحققه الوسائل الرقمية كالواتساب وتقتصر فيه على الرمزيات (إيموجي) التي عادة ما تجعل ذلك التواصل أحادي الاتجاه وخاضع للتأويل وربما لسوء الفهم، فضلا عن تعمد المتحاور -في بعض المحاورات- إلى إظهار خلاف ما ينطوي عليه شعور اللحظة وفيض الوجدان، وفي هذا تشويه لصورة الواقع وتقدير ظاهري يدفع بالآخرين إلى تبني انطباعات ناقصة وغير دقيقة، وكلما طالت مدة اختزال التواصل الاجتماعي في مثل هذه التطبيقات الرقمية -وما أكثرها اليوم- تراجعت معها المودة الصادقة ودفء الحضور الإنساني في وجدان الآخر.

وقد تضاعف أثر هذا الارتباط العميق بتطبيقات التواصل الاجتماعي وأهمها "الواتساب" إلى حد اعتبار مجموعاتهGroups  شكلا من أشكال الحياة الاجتماعية اليومية وميدانا لامتحان المرء في حضوره وانتمائه واهتمامه بالقضايا المطروحة، وعليه إثبات نواياه الحسنة بالاطلاع المستمر والتفاعل بشأنها، أما صمته الرقمي فهو غياب لا يمكن أن يفسر إلا أنه قصور في واجبه الاجتماعي تجاه الآخرين وخرم للمروءة وتنصل عن المسؤولية، أما الانسحاب من المجموعة فهنا قد جاء شيئا إدا، وخطيئة يحرم على إثرها ما خص به الشهود الرقميون من ود وتواصل إنساني.

إن مثل هذا الوعي ينذر بخلل مرعب في طبيعة العلاقات الإنسانية، فهو يدعو ضمنيا إلى التواصل الشكلي والحضور الرمزي الذي يخفي وراءه عزلة اجتماعية داخلية ويهدد الانتماء الإنساني الصحيح والالتفاف الصادق بين الناس، ناهيك عن أن ذلك مدعاة إلى جفاف المشاعر وانطفاء العاطفة وتحجر الإحساس، وهو امتحان أصبح تجاوزه أمرا عصيا، فإن التراحم والإحسان والثقة وسلامة الصدور والصفاء القلبي إنما هي متغيرات اجتماعية وفضائل إنسانية وركائز ضرورية في بناء العلاقات تنطلق أولا من الدائرة الأقرب، يقول تعالى "واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام"، فهذا الربط الإلهي بين التقوى والأرحام إنما هو دعوة إلهية إلى أهمية التواصي بالأرحام ضمن سياق اجتماعي يراعي جميع الفضائل والقيم، ويحترم التراتبية والهرم الاجتماعي والدرجات الإنسانية، ولما كان الأمر الإلهي على هذا القدر العالي من الأهمية الشرعية، كان للشيطان دوره وذلك بأن يتجاوز في مشروعه إغواء بني آدم على المستوى الفردي إلى تمزيق المجتمع الإنساني من داخله بغرس بذور الفرقة والتشظي وإنبات حالة الفساد الاجتماعي التي تنتهي به إلى التشرذم والتجزيء والانقسام، يقول تعالى "إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء" فهي إرادة شيطانية خبيثة تدير من خلف الستار مشهد الانهيار في العلاقات الإنسانية.

إن الشيطان لا يكتفي بتدمير الفرد وجره إلى هاويته، إنما يستهدف الأمة المتحدة والمجتمع المتماسك والعائلة المتآلفة والأسرة المتلاحمة والأخوة المنسجمة المتضامنة والصحبة المتكاتفة والمجموعات المنسجمة، فيعمل على إضعافها من الداخل بإشاعة سوء الظن بين أفرادها وتزيين الغيبة والنميمة والتنافس غير الشريف إلى غير ذلك من الأمراض القلبية الفتاكة وعوامل السقوط والانهيار.

لا يختلف اثنان على أن تطبيق الواتساب صار جزءًا من نسيج الحياة اليومية وأداة لا يمكن إغفالها وشريان للتواصل من الصعب قطعه، لكن نفعه هذا لا يخفي ضررا محتملا على نمط العلاقات الإنسانية وسلامتها واستقرارها، لذلك يتعين على مستخدميه مراجعة ارتباطهم به، فهو وسيلة لتيسير فكرة التواصل لا لاحتلال المساحة الشعورية على نحو كلي، ولا بد من استرداد حالة السكون الذاتي والتوازن النفسي والانقطاع إلى الهدوء وإعادة ترتيب الأولويات، والتنبه للمخاطر المحدقة على الروابط والبنية الاجتماعية.

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z