علي بن عبدالله اللواتي
تنبُع أهمية بعض المساجد المختارة في عُمان كونها نماذج قابلة للدراسة أثرياً، من حيث اشتمالها على عناصر زخرفية رائعة التصميم، تعكس مهارة الفنان العُماني المسلم وبراعته في استخدام مادة الجص في الزخرفة كخامة أساسية؛ حيث تكشف دراسة المحاريب الجصية عن ثراء المحتوى الزخرفي بمختلف أنواعه، والذي بدوره يساعدنا في التعرف على تاريخ عمارة المساجد وتطورها. وكذلك التعرف على العلاقة المعمارية، والزخرفية بينها ومساجد العالم الإسلامي.
وللتعرف على نوعية مساجد الفروض، فقد أُنشئت بقصد أداء الصلوات الخمس فيها، دونًا عن المساجد الجامعة التي تقام فيها الصلوات إضافة إلى الصلوات الجامعة كصلاة الجمعة، لإبراز السمات المعمارية المتميزة في هذا النوع من المنشآت الدينية.
ومسجد (منح) الحارة يعود على الأقل إلى القرن العاشر الهجري (ق 15م)، وهي من أكثر الحارات محافظة على أسلوبها المعماري القديم، لتكون بذلك مجالا جيدا للدراسات الأثرية المعمارية بمختلف فروعها، وهي: (العالي الشراة، العين، الرحبة) والتي تعتبر من أهم المساجد وأقدمها داخل الحارة، من حيث محافظتها على شكلها التخطيطي السابق، واحتوائها على بعض العناصر المعمارية الزخرفية المتميزة بقدمها، وأهميتها وتلك عناصر ما زالت معتبرة عند بناء مساجد الفروض في مختلف أنحاء السلطنة.
ويلاحظ أن مساجد الفروض ترتبط عضويا بالتخطيط المعماري للحارة المنشأة، بخلاف المساجد الجامعة والتي تقع في خارج أسوار الحارة، وذلك لكونها مأمومة من مختلف الناس القاطبة في المنطقة أو من خارجها. وقد روعي عند عمل هذه العناصر الأحكام الإسلامية التي وضعت لحفظ حقوق جميع أفراد المجتمع داخل الحارة، وتتمثل هذه العناصر في الدرج والسلالم، الأبواب، الفناء، الاستراق أو الممر. العناصر التي عملت لغرض الانتفاع بها من قبل المصلين أو مرتادي المسجد عموما وتتمثل في بيت الصلاة، الفناء، الميضأة، الحواصل (المخازن)، الدخلات، المعاليق، والمدرسة.
وتتجسد عناصر الوقاية والتغطية في عامل الارتفاع ودرجة الميل، الأسقف الجدران والسواتر، المخازن المسقوفة، القبية (القباب)، الميازيب، والمسايل والمصارف المائية، مصاريع الأبواب، والنوافذ، الستارات الخشبية والجصية.
وتتكافل عناصر الإضاءة والتهوية مع بعضها بعضا لتحقيق هذه الغاية، إضافة إلى كونها عناصر تستخدم للمنفعة أو للوقاية، أو غير ذلك من الأهداف المعمولة لأجلها، ومن تلك العناصر الأبواب، الفتحات العلوية، النوافذ، الفناء، بالإضافة إلى عامل الارتفاع المساجد، أما الزخارف فإن بها بساطة التكوين بالإضافة الى اشكال المحاريب الداخلية والخارجية.
الإبداع الزخرفي في تنفيذ الجص، ونقشه بطريقة الحفر أو رص الكتل القالبية المزخرفة، فإنها تتميز بها بعض هذه المساجد كمسجدي العين والرحبة بزخرفة جدران بيوت الصلاة على واجهاتها الخارجية بدعامات بارزة ليساعد على متانة الجدران. وقد تأثرت الزخرفة بأنواعها والمواد المستخدمة في تنفيذها بالثقافة المستمدة من واقع البيئة العُمانية باستخدام مواد وعناصر بيئية محلية، كذلك مراعاة الأحكام الإسلامية، كعدم تزيين المساجد بالألوان والصور والنحت بأنواعه.
بعض النوافذ العلوية الصغيرة قد غشيت بزخارف جصية: نافذة أو مشبكة، نباتية وهندسية، زخارف نباتية متشابكة ومحورة، زخارف هندسية متكررة، نصوص كتابية بخط الثلث تضمنت كتابات تأسيسية تتضمن عادة بعض الآيات القرآنية او اسم القائم على عمارة المسجد، صانع المحراب، سنة الانتهاء من عمارة المسجد، ومن عمل المحراب والآمر بالصنع وكذلك ألقابا دينية وفخرية، كما أن هناك استخدام للخط الكوفي المزهر في كتابة شهادة التوحيد في أعلى واجهة المحراب. يتضح من خلال الشواهد تأثير العادات والتقاليد، ومراعاة القيم والأحكام الدينية في عمارة هذه المساجد وكذلك الموقع.
ولقوع المساجد غالبا على مداخل الحارات الرئيسية، اهداف وقائية منها تجنب أهل الحارة من إطلاع الغرباء على حرماتهم، وممتلكاتهم وان استقلالية المسجد ببنائه غالبا عما يجاوره من مبان هي مراعاة للخصوصية، وتجنب الضوضاء أيضاً، وأن التوافق بين تخطيط وارتفاع المساجد وما يجاورها من مبانٍ أخرى استمرارية للنمط المعماري، والتخطيطي للمساجد، وهذه الظاهرة هي من عصور سابقه سبقت فترة بنائها بمدة طويلة، وحتى وقتنا الحالي.
يلاحظ وجود تشابه بين عمارة المساجد في السلطنة، وفي غيرها من مناطق العالم الإسلامي، كما نلاحظ وجود إبداع معماري يكشف عن مستوى المعمار المتقدم في عُمان في مجال بناء دور العبادة ويتبين بوجود مدرسة نقش في منح اتسعت لتشمل مناطق مجاورة وذلك من خلال القرنين التاسع والعاشر الهجريين (الخامس عشر والسادس عشر للميلاد).
الملاحظ تقارب مساجد الفروض الخمسة في حارة البلاد وقد يعود ذلك إلى كثرة القاطنين داخل الحارة آنذاك، أو بسبب تعدد القبائل أو لأسباب طول المسافة ومن هنا فإنه من الواجب وأمر ضروري توثيق وصيانة وترميم هذه المحاريب وغيرها من العناصر المعمارية والزخرفية، على الأقل للاستفادة منها في عمارة المساجد الحديثة.
إنَّ توثيق الكتابات في المساجد العُمانية عمل علمي ومرجعي لإثراء كل باحث متخصص في التَّعرف على فن واتقان النقّاش العُماني في نقوش المساجد المحلية.
