رائد العمل التطوعي منذ الخمسينيات في جبال ظفار

 

 

 

علي بن سهيل المعشني (أبو زايد)

في زمن لم تعرف فيه المجتمعات الريفية مؤسسات الدولة، كان الاعتماد على الذات ضرورة للبقاء، وحيث كان في كل حقبة زمنية رجال يحملون على عاتقهم مسؤولية التنمية والخدمة الإنسانية. هنا برز الشيخ علي بن أحمد صينيت المعشني، الرجل الذي جعل من خدمة مجتمعه مهمة حياة، وجعل من التطوع والابتكار في العمل العام عنوانًا لريادة استثنائية في جبال ظفار.

وُلد الشيخ علي- رحمه الله- عام 1939م تقريبًا، في منطقة مدينة الحق، في بيئة جبلية؛ حيث كانت الموارد محدودة، والحياة تتطلب المثابرة والجهد والإخلاص، ومنذ بداية شبابه، اتجه إلى التجارة المحلية، فمارس تجارة المواشي بين الجبل ومدينة صلالة، حيث عمل في بيع الأبقار بين الجبال وسوق الحافة. وبفضل خبرته وعلاقاته بالتجار، استطاع أن يكوّن نفسه اقتصاديًا داخل ظفار، بعيدًا عن أسلوب السفر إلى دول الجوار الذي اتبعه كثير من أقرانه.

كما برز منذ الخمسينيات كمهندس وبانٍ للبيوت الريفية التقليدية، فكان يصمم ويشرف على تشييد المساكن باستخدام المواد المحلية وجذوع الأشجار، في صورة تظهر خبرته الهندسية المبكرة وحسه العملي في خدمة أهله ومجتمعه.

وبرز شغف الشيخ علي بالعمل التطوعي في صيانة العيون المائية التي تعتبر شريان الحياة في جبال ظفار. وبجهوده الذاتية، ومع بعض المساعدات من الأهالي، كان يفتح القنوات المائية ويعيد ترميم العيون لضمان استمرارية تدفق المياه، حيث كان يقيم الأسابيع والأشهر في أعمال الترميم على كل عين ماء.

وبفضل علاقاته التجارية، تمكن من جلب الإسمنت، وهي مادة كانت نادرة جدًا آنذاك، ونقلها على ظهور الجمال إلى مواقع العمل. ومن أوائل العيون التي أشرف على صيانتها وترميمها بمادة الاسمنت قبل السبعين كانت عين أثوم، ما يعكس روحه الريادية وقدرته على الابتكار قبل أن تصبح هذه المهام رسمية ومؤسسية. وكذلك كان يشق الطرق من وإلى هذه الموارد المائية التي كانت شريان الحياة للإنسان والحيوان في جبال ظفار.

وخلال فترة الأحداث في حرب ظفار، اتخذ الشيخ علي موقفًا إنسانيًا محايدًا، بعيدًا عن الاصطفافات، مركزًا على خدمة الناس والحفاظ على تماسك المجتمع. هذا النهج أكسبه احترام جميع فئات المجتمع، وأظهر قدرته على العمل الإنساني حتى في أصعب الظروف.

ومع دخول السيارات في السبعينيات، كان للشيخ علي دور بارز في فتح طرق السيارات إلى التجمعات السكانية في مدينة الحق والمناطق المجاورة مستخدمًا سيارته النيسان المجهزة بالأدوات اللازمة مع مساعديه من الأهالي.

وبفضل خبرته الطويلة، تم توظيفه في الحكومة كأول خبير ومشرف على صيانة العيون المائية في جبال ظفار، واستمر في هذا العمل حتى تقاعده في أواخر التسعينيات، لكنه واصل الخدمة بعد التقاعد بجهود شخصية، مدفوعًا بحب المجتمع وروح التطوع. توفي رحمه الله في 16/9/2013 عن عمر ناهز 95 عامًا.

وختامًا.. الشيخ علي بن أحمد صينيت المعشني رحمه الله، كان رمزًا للتفاني والابتكار والعمل التطوعي في أبهى صوره؛ من التجارة المحلية إلى صيانة العيون المائية، ومن فتح الطرق إلى بناء البيوت والحظائر، لقد صنع هذا الرجل فرقًا حقيقيًا في حياة آلاف الناس في جبال ظفار. قصته تعلمنا أن العمل الإنساني والإبداع لا يحتاج إلى منصب رسمي أو شهرة، بل إلى قلب صادق وعزيمة لا تعرف الكلل.

إنه مثال حي على أن الفرد الواحد يمكنه أن يسبق عصره ويترك أثرًا خالدًا في مجتمعه، وأن الإرث الحقيقي لا يُقاس بالمال أو المناصب؛ بل بما يقدمه الإنسان لوطنه ولقيمته الإنسانية.

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z