علي بن مسعود المعشني
عنوان المقال ليس للإثارة بقدر ما هو تَوصيفٌ لحالة العالم اليوم في زمن رئيس يُمثل الحالة الأمريكية في زمن التغوُّل الإمبريالي، وقبل سقوط الرأسمالية المُتوحشة على يده، كما يُمثل الرئيس ترامب استدعاءً صريحًا للثَّقافة التي تأسست عليها أمريكا على يَد البيضِ من المُهاجرين المنبوذين والمُهمشين من أوروبا، فكانوا نماذج صارخة للوحشية والسادية السياسية، وتعاقبوا على تداول العنصرية جيلًا بعد جيل مع اختلاف الضَّحية بين زمن وآخر.
دونالد ترامب لا يُمثل حالةً شاذةً ولا دخيلة على المُجتمع الأمريكي، فهو ابن شرعي لمجتمع تأسس على اغتصاب حقوق الآخرين، والقتل والاحتكام إلى قانون القوة ومشروعية استباحة وتبرير كل شيء وأي شيء يخدم مصالح السيد الأبيض المنبوذ من جذوره، كضرورة لقيام نموذج "العالم الجديد" المُسمى أمريكا.
إذا تجاوزنا واختصرنا تاريخ أمريكا مع الحروب منذ إبادة السكان الأصليين، ثم توزيع الثقافة الوحشية على العالم واستباحة الأوطان والشعوب بأيِّ ذريعة وتحت أي مُسمى ومُبرر، لمصلحة "السيد" الأمريكي المتمثل بيسوع المخلص، والمُتلبِّس لشخصية النموذج القدوة والملاذ الأخير للبشرية ونهاية التاريخ، فسنعلم بأن مسرحية الاستحواذ على فنزويلا واختطاف رئيسها الشرعي المنتخب نيكولاس مادورو، ليست الحالة الأولى ولن تكون الأخيرة.
الأمريكي كعادته يتلاعب بالمصطلحات والألفاظ لتمرير غيّه، فهو يصف احتلاله لأمريكا والتنكيل بسكانها الأصليين بـ"الاكتشاف"، لهذا وصف حالة فنزويلا واختطاف رئيسها بـ"الاعتقال" وكأنَّه فرد من رعاياه فار من العدالة لا أكثر.
ما يقوم به الرئيس ترامب اليوم ليس مُستهجنًا في الوعي والثقافة الأمريكية، كدولة ميكيافيلية نشأت فوق العقاب وفوق القانون، ولكنه يحمل في المقابل مؤشرات خطيرة تدل على زوال النموذج الأمريكي واستشعار الأمريكان لذلك في عهد ترامب بالتحديد؛ فأمريكا لا تُعاني من الديون ولا من التحلل فحسب؛ بل تواجه العالم اليوم وتعاني من كراهية ونبذ عالمي غير مسبوق، نتيجة سياساتها وبغيها، الأمر الذي أفقدها الهيمنة والنفوذ التدريجي في شرق الكرة الأرضية، بقيام تكتلات اقتصادية تُهدد الشريان الحيوي لأمريكا والمتمثل بالبترودولار، فقيام تلك التكتلات الضرورية سيدفع بها- بلا شك- إلى الانتقال إلى المقايضة وتبادل السلع بالعُملات المحلية لتجاوز الدولار وصولًا إلى سك عملات موحدة خاصة بهم، وما يُرعب الأمريكي اليوم- بوعي أو بلا وعي- أن تتحول تلك التكتلات من اقتصادية إلى سياسية وعسكرية في مواجهة الصلف الأمريكي، وهنا تفقد أمريكا أدوات سيطرتها ونفوذها وتأثيرها على العالم وصولًا إلى فقد هيبتها وقوتها التقليدية تدريجيًا.
مسرحية فنزويلا قد لا تكون بالضرورة خطوة نحو ترويض العالم لما هو قادم وما هو غير متوقع من أمريكا في استباحة العالم، بل قد تكون خطوة لنهاية أمريكا ومواجهتها للعالم عبر ما تعتقد بأنها سياسة إنقاذ لها بالالتفاف حول غرب العالم ومجالها الحيوي المتمثل في أمريكا اللاتينية، وتعويض خسائرها المتوقعة من فقد النفوذ في شرق العالم.
ولكن الحدائق الخلفية التاريخية لأمريكا لم تعد كذلك، ولم تعد تلك الساحات الطيِّعة لها، وبالنتيجة ستدفعها المغامرات الأمريكية إلى ركوب المستحيل للدفاع عن سيادتها وثرواتها واستقلالها، وستصبح أمريكا بين كماشتي الشرق والغرب معًا في لحظة، بل وستُجبر أوروبا على الدخول كخصم ثالث ضد أمريكا دفَعًا لأطماع ترامب في جرينلاند، كخطوة ستعقبها خطوات ابتلاع جغرافيات أخرى من قبل كيان غريق أستعدى العالم، وملأ الأرض فسادًا وجورًا.
قبل اللقاء.. "كل الشعوب انطلقت من البدائية إلى القمة ثم الانحلال، عدا بلدي أمريكا، انطلقت من البدائية إلى الانحلال". بول فندلي.
وبالشكر تدوم النعم.
